الاستخارة غيرت حياتى باسورد أنا وطفلى أنت فى مرأة الأخرين تمنيت تعلم العمرة بالصور حملة التضامن مع غزة


العودة   أخوات إيمان القلوب > ملتقى القرآن والسنة > السيرة النبوية الشريفة > سير العلماء



إضافة رد
 
أدوات الموضوع
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 1 )
ندى
قلب جديد
رقم العضوية : 962
تاريخ التسجيل : Jun 2008
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 10 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : ندى is on a distinguished road
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
flower25 من أراد التعرف على سيرة أحد الأئمة من السلف الصالح فليتفضل من هنا

كُتب : [ 15 - 06 - 08 - 10:55 AM ]














اسنتعرض في هذا الموضوع إلى سير وتراجم لبعض سلفنا الصالح رحمهم الله جميعاً، والذي يجهله الكثير منا، وسنقف على بعض المواقف والعبر الهامة من حياتهم، لعلنا نتعلم منهم.

وفقنا الله جميعأً لما يحبه ويرضاه.

الإمام أحمد بن حنبل

اسمه ومولده :

هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ، أصله من البصرة ، ولد عام (164) هـ ، في بغداد وتوفي والده وهو صغير، فنشأ يتيماً، وتولَّت رعايته أمه .

وقفة : اليتيم قد يكون ناجـحـاً في حياته :

نشأ الإمام أحمد ــ رحمه الله ــ في طلب العلم، وبدأ في طلب الحديث وعمرهُ خمس عشرة سنة، ورحل للعلم وعمرهُ عشرون سنة، والـتقى بعدد من العلماء منهم : الشافعي في مكة ، ويحيى القطَّان ، ويزيد بن هارون في البصرة.

ورحل من العراق إلى اليمن مع يحيى بن مُعين ، فلمَّا وصلا إلى مكة وجدا عبد الرزاق الصنعاني أحد العلماء في اليمن، فقال يحيى بن معين يا إمام يا أحمد : نحنُ الآن وجدنا الإمام، ليس هناك ضرورة في أن نذهب إلى اليمن، فقال الإمام أحمد : أنا نويت أن أُسافر إلى اليمن، ثم رجع عبد الرزاق إلى اليمن ولَحِقـا به إلى اليمن، وبَقِيَ الإمام أحمد في اليمن عشرة أشهر، ثم رجع مشياً على الأقدام إلى العراق .


فلمَّا رجع رأوا عليه آثار التعب والسفر فقالوا له : ما الذي أصابك ؟ فقال الإمام أحمد : يهون هذا فيما استفدنا من عبد الرزاق.

مِنْ عُلوا الهمَّـة عند الإمام أحمد وهو صغير ، يقول : ربما أردتُ الذهاب مبكراً في طلب الحديث قبل صلاة الفجر، فتأخذ أمي بثوبي وتقول : حتى يؤذِّن المؤذِّن .

ثـناء العلمـاء على الإمـام أحمـد :

* قال عبد الرزاق شيخ الإمام أحمد : ما رأيت أحداً أفْـقَـه ولا أوْرع من أحمد.
* قالوا : إذا رأيتَ الرجل يحبُ الإمام أحمد فاعلم أنَّـه صاحب سنة .
* قال الشافعي وهو من شيوخ الإمام أحمد : خرجتُ من بغداد فما خلَّفتُ بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفْـقَـه من أحمد بن حنبل.
* قال يحيى بن معين : أراد الناس أن يكونوا مثـل أحمد بن حنبل ! لا والله ، ما نقوى على ما يقوى عليه أحمد ، ولا على طريقة أحمد .
* كان الإمام أحمد يحفظ (ألف ألف) حديث ، يعني (مليون) حديث. أي مجموع الروايات والأسانيد والطرق للأحاديث .
* مِنْ حِفْـظِ الإمام أحمد للحديث كان يقول لابنـه : اقرأ عليَّ الحديث وأُخبركُ بالسند، أو اقرأ عليَّ الإسناد لأخبرك بالحديث .

عِفَّـة الإمـام أحمـد :

* لمَّا رحل لطلب العلم لم يكن لديه مال ، فـكان يحمل البضائع على الجمال وعلى الحمير فيأخذ من هذا درهم ومن هذا درهم، فيعيش بهذه الدراهم، وفي الصباح يطلب العلم حتى يستغني عن سؤال الناس، (عِـفَّـة وطلب علم) .

كان الإمـام أحمد يكره الشُهرة والثناء :

* دخل عليه عمُّـهُ وكان الإمام أحمد حزين، فقال عمُّـهُ : ماذا بك ؟ فقال الإمام أحمد : طُوبى لِمَنْ أخْمَلَ الله ذكره، (يعني من لم يكن مشهوراً ، ولا يعلم به إلاَّ اللـه) .
* وقال أيضاً : أريدُ أنْ أكونَ في شِعْبِ مكـة حتى لا أُعْـرَفْ .
* وكان إذا أراد أنْ يمشي يكره أن يتبعه أحدٌ من الناس .

العمل بالعلم :

قال الإمام أحمد ما كتبتُ حديثـاً إلاَّ وقد عملتُ بـه, حتى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم احْـتَـجَـمَ وأعطى الحجَّامَ أجره، فاحْـتَـجَـمَ الإمام أحمد وأعطى الحجَّام أجره.

أخلاق الإمـام أحمـد وآدابه :

* كان يحضر مجلس الإمام أحمد خمسة آلاف طالب ، (500) كانوا يكـتبون العلم، والبقية ينظرون إلى أدبه وأخلاقه وسَمْتِـهِ .
* قال يحيى بن معين : ما رأيتُ مثـل أحمد، صحبناه خمسين سنة فما افـتخر علينا بشيء ممَّا كان فيه من الخير.
* كان الإمام أحمد مائلاً إلى الفقـراء، وكان فيه حِلْمْ، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع، وكانت تعلوه السكينة والوقار.
* قال رجل للإمام أحمد : جزاك الله عن الإسلام خيراً، فقال الإمام أحمد : بل جزى الله الإسلام عني خيراً، مَنْ أنا ؟ وما أنا ؟
* كان الإمام أحمد شديد الحياء، وأكرم الناس، وأحسنهم عِشْرةً وأدباً، لمْ يُسمع عنه إلاَّ المُذاكرة للحديث، وذِكْر الصالحين، وكان عليه وقارٌ وسكينة، ولفْـظٌ حَسَنْ .

عبادة الإمـام أحمـد بن حنبل :

* كان يُصلِّي في اليوم والليلة (300) ركعـة، فلمَّا سُجِنَ وضُرِبْ أصْـبَحَ لا يستطيع أنْ يُصلِّي إلاَّ (150) ركعة فـقـط.
* كان يَـخْـتِمُ القرآن كُلَّ أُسبوع .
* قال أحدُهُمْ : كُنْتُ أعرفُ أحمد بن حنبل وهو غُـلام كان يُحيي الليل بالصلاة.
* كان مِنْ عِبادته وزُهده وخوفه، إذا ذَكَـرَ الموت خَـنَـقَـتْـهُ العَبْرة.
* كان يقول : الخوف يمنعني الطعام والشراب، وإذا ذكرتُ الموت هانَ عليَّ كُلُّ أمْـرِ الدنيا.
* كان يصوم الإثـنين والخميس والأيام البيض، فلمَّا رَجَعَ مِنْ السجن مُجْهَداً أَدْمَنَ الصيام حتى مات.
* حَجَّ على قَدَميـه مرتين.
* في مَرَضِ الموت بَالَ دَمَـاً كثيراً، فقال الطبيب المُشْرف عليه : هذا رجُـلٌ قد فَـتَّتَ الخوف قلبـه.


أخبـار منوعـة في سيـرته :

* قابل الإمام أحمد بن حنبل أحدْ أبناء الإمام الشافعي فقال الإمام أحمد لابن الشافعي : أبُوكَ مِنَ السِّـتة الذينَ أدْعُـوا لهم في السَّحَـرْ.

* قيل للإمام أحمد :
كَمْ يكْفي الرجل حتى يُـفْـتِي ؟ مئـة ألف حديث ؟
قال الإمام أحمد : لا .
قال السائل : مائـتين ألف حديث ؟
قال الإمام أحمد : لا .
قال السائل : ثـلاثمائـة ألف حديث ؟
قال الإمام أحمد : لا .
قال السائل : أربعمائـة ألف حديث ؟
قال الإمام أحمد : لا .
قال السائل : خمسمائـة ألف حديث ؟
قال الإمام أحمد : أَرْجُـوا .

حياته الزوجية :

تزوَّجَ وعُمْـرهُ أربعون سنة، يقول عن زوجـتـه : مكـثـنا عِشرينَ سنة ما اختلفنا في كلمةٍ واحدة.
دعا المأمون الناس إلى القول بخلق القرآن، أجابه أكثر العلماء والقضاة مُكْرهين، واستمر الإمام أحمد ونفرٌ قليل على حمل راية السنة، والدفاع عن معتقد أهل السنة والجماعة.

قال أبو جعفر الأنباري : لمَّا حُمِلَ الإمام أحمد بن حنبل إلى المأمون أُخْبِرتُ فعبرتُ الفُرات، فإذا هو جالس في الخان، فسلمتُ عليه، فقال : يا أبا جعفر تعنَّيْت ؟ فقلتُ : ليس هذا عناء.

وقلتُ له : يا هذا أنت اليوم رأس الناس، والناس يقتدون بكم، فو الله لئن أجبتَ ليُجيبُنَّ بإجابتك خلقٌ كثير من خلقِ الله تعالى، وإنْ أنتَ لم تُجِبْ ليمتنِعُنَّ خلقٌ مِنَ الناس كثير، ومع هذا فإنَّ الرجل إنْ لم يقتلك فإنَّك تموت، ولابدَّ مِنْ الموت ، فاتَّـقِ الله ولا تُجيبهم إلى شيء.

فجعل أحمد يبكي ويقول : ما شاء الله، ما شاء الله. ثم سار أحمد إلى المأمون فبلغه توعد الخليفة له بالقتل إنْ لم يُجبه إلى القول بخلقِ القرآن، فـتوجه الإمام أحمد بالدعاء إلى الله تعالى أنْ لا يجمع بـيـنه وبين الخليفة، فبينما هو في الطريق قبل وصوله إلى الخليفة إذ جاءه الخبر بموت المأمون، فَرُدَّ الإمام أحمد إلى بغداد وحُبِس، ثم تولَّى الخلافة المعتصم، فامتحن الإمام أحمد .

وكان مِنْ خبر المحنـة أنَّ المعتصم لمَّا قصد إحضار الإمام أحمد ازدحم الناس على بابه كيوم العيد، وبُسِطَ بمجلسه بساطاً، ونُصِبَ كرسيـاً جلس عليه، ثم قال : أحضروا أحمد بن حنبل، فأحضروه ، فلمَّا وقف بين يديه سَلَّمَ عليه، فقال له : يا أحمد تكلم ولا تَـخَـفْ، فقال الإمام أحمد : والله لقد دخلتُ عليك وما في قلبي مثـقال حـبَّـةٍ من الفزع، فقال له المعتصم : ما تقول في القرآن ؟

فقال : كلام الله قديم غير مخلوق ، قال الله تعالى : { وَإنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ } [التوبة : 6 ].

فقال له : عندك حجة غير هذا ؟ فقال : نعم ، قول الله تعالى : {الرَّحْمَنْ * عَلَّمَ القُرْآنْ }. [ الرحمن : 1 ، 2 ] ، ولم يقـل : الرحمن خلق القرآن ، وقوله تعالى : {يس * والقُـرْآنِ الْحَكِيم } [ يس : 1 ، 2 ] ، ولم يقـل : يس والقرآن المخلوق.
فقال المعتصم : احبسوه، فحُبِسَ وتفرَّقَ الناس.
فلمَّا كان مِنَ الغد جلس المعتصم مجلسه على كرسيه وقال : هاتوا أحمد بن حنبل، فاجتمع الناس، وسُمعت لهم ضجة في بغداد، فلمَّا جيء به وقف بين يديه والسيوف قد جُردت، والرماح قد ركزت، والأتراس قد نُصبت ، والسياط قد طرحت، فسأله المعتصم عمَّا يقول في القرآن ؟

قال : أقول : غير مخلوق .

وأحضر المعتصم له الفقهاء والقضاة فناظروه بحضرته في مدة ثلاثة أيام، وهو يناظرهم ويظهر عليهم بالحُجج القاطعة، ويقول : أنا رجـل عَلِمتُ علماً ولم أعلم فيه بهذا، أعطوني شيئاً من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى أقول به.

وكلما ناظروه وألزموه القول بخلق القرآن يقول لهم : كيف أقول ما لم يُقـل ؟ فقال المعتصم : قهرنا أحمد.

وكان من المتعصبين عليه محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم ، وأحمد بن دُوَاد القاضي ، وبشر المريسي ، وكانوا معتزلة قالوا بخلق القرآن ، فقال ابن دُوَاد وبشر للخليفة : اقـتله حتى نستريح منه ، هذا كافر مُضِـل .

فقال : إني عاهدتُ الله ألا أقـتله بسيف ولا آمر بقـتله بسيف، فقالا له : اضربه بالسياط، فقال المعتصم له : وقرابتي من رسول الله صلَّى الله عليه وسلم لأضربنَّك بالسياط أو تقول كما أقول، فلم يُرهبه ذلك، فقال المعتصم: أحضروا الجلادين، فقال المعتصم لواحد منهم : بكم سوطٍ تـقـتله ؟

قال : بعشرة، قال : خذه إليك، فأُخْرِجَ الإمام أحمد من أثوابه، وشُدَّ في يديه حبلان جديدان، ولمَّا جيء بالسياط فنظر إليها المعتصم قال : ائـتوني بغيرها، ثم قال للجلادين : تقدموا ، فلمَّا ضُرِبَ سوطاً.

قال : بسم الله، فلمَّا ضُرِبَ الثاني قال : لا حول ولا قوةً إلاَّ بالله، فلمَّا ضُرِبَ الثالث قال : القرآن كلام الله غير مخلوق، فلمَّا ضُرِبَ الرابع قال : { قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا } [ التوبة : 51 ] .

وجعل الرجل يتقدَّم إلى الإمام أحمد فيضربه سوطين، فيحرضه المعتصم على التشديد في الضرب، ثم يـتنحَّى، ثم يتقدَّم الآخر فيضربه سوطين، فلمَّا ضُرِبَ تسعة عشر سوطاً قام إليه المعتصم فقال له : يا أحمد علام تقتـل نفسك ؟ إني والله عليك لشفيق.

قال أحمد : فجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه وقال : تريد أنْ تغلب هؤلاء كلهم ؟ وجعل بعضهم يقول : ويلك ! الخليفة على رأسك قائم ، وقال بعضهم : يا أمير المؤمنين دمه في عنقي اقـتله، وجعلوا يقولون : يا أمير المؤمنين : إنه صائم وأنت في الشمس قائم، فقال لي : ويحك يا أحمد ما تقول ؟ فأقول : أعطوني شيئاً من كتاب الله وسنة رسوله صلَّى الله عليه وسلم حتى أقول به.

ثم رجع الخليفة فجلس ثم قال للجلاد : تقدمَّ، وحَرَّضه على إيجاعه بالضرب.

قال الإمام أحمد : فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك، فإذا الأقياد قد أُطلِقت عنِّي، فأتوني بسويق فقالوا لي : اشرب وتـقيأ، فقلت : لستُ أُفطر، ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرتُ صلاة الظهر، فـتقدَّم ابن سماعة فصلى، فلمَّا انفـتل من الصلاة قال لي : صليتَ والدمُ يسيل في ثوبك ، فقلت له : قد صلَّى عمر رضي الله عنه وجرحه يسيل دمـاً.

ولمَّا ولِّيَ الواثق بعد المعتصم، لم يتعرض للإمام أحمد بن حنبل في شيء إلاَّ أنَّـه بعث عليه يقول : لا تساكنِّي بأرضٍ، وقيل : أمره أنْ لا يخرج من بيتـه، فصار الإمام أحمد يختفي في الأماكن، ثم صار إلى منزله فاختـفى فيه عدة أشهر إلى أنْ مات الواثق.

وبعد ذلك تولَّى الخلافة المتوكل بعد الواثق، فقد خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقاد، وطعن عليهم فيما كانوا يقولونه من خلق القرآن، ونهى عن الجدال والمناظرة في الأداء، وعاقب عليه، وأمر بإظهار الرواية للحديث، فأظهر الله به السُـنَّـة، وأمات به البدعة، وكشف عن الخلق تلك الغُمَّـة، وأنار به تلك الظُلمة، وأطلق من كان اعـتُـقِـلَ بسبب القول بخلق القرآن، ورفع المحنـة عن الناس.

* قال أحد الجلادين بعد أن تاب : لقد ضربت الإمام أحمد (80) جلدة، لو ضربـتُها في فيل لسقـط.

فَرَحِمَ اللهُ هذا الإمام الجليل أحمد بن حنبل ، الذي ابتُـليَ بالضرَّاء فصبر ، وبالسرَّاء فشكر ، ووقف هذا الموقف الإيماني كأنـه جبلٌ شامخ ، تـتكسَّرُ عليه المِحَنْ ، وضَرَبَ لنا مثـلاً في الثبات علـى الحـق ...











التعديل الأخير تم بواسطة غايتي رضا ربي ; 13 - 10 - 12 الساعة 05:36 PM
رد مع اقتباس
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 2 )
روقيه
قلب طموح
رقم العضوية : 8250
تاريخ التسجيل : Jan 2012
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : ق من أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم
عدد المشاركات : 2,455 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 39
قوة الترشيح : روقيه is on a distinguished road
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي مواقف من حياة الإمام أحمد

كُتب : [ 11 - 04 - 12 - 10:37 AM ]





مواقف من حياة الإمام أحمد


يطيب الكلام حين يكون عن الأعلام الذين سطر التاريخ مآثرهم وبقيت على مر الأيام أخبارهم, وحديث اليوم هو عن السير التي تزخر بالدروس والعبر، وعن القدوات الذين حازوا قصب السبق في كثير من المجالات .
وكم نحتاج إلى ذكر أخبار الأعلام في زمن قلّت القدوات, ونبرز سير النجوم في زمن صرفت فيه النجومية لمن ليسوا أهلاً لها .
إنه حديث : عن علمٍ من أعلام المسلمين، عن إمامٍ إذا ذكر أهل السنة فهو إمامهم وإذا ذكر العلماء فهو في مقدمتهم .
إنه إمام أهل السنة والجماعة.
أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني.
ومن ذا الذي لا يعرفه وهو أحد الأئمة الأربعة وإليه ينسب المذهب الحنبلي، ومن ذا الذي لا يعرفه وهو أحد حفاظ المسلمين، والذي ألف للأمة كتابه العظيم الموسوم بالمسند، في ثلاثين ألف حديث.
ومن ذا الذي لا يعرفه وهو الذي ثبت يوم المحنة ثبات الجبال. يوم تساقط جل الناس، حتى قيل: نصر الله الدين برجلين، بأبي بكر يوم الردة وبأحمدَ بن حنبل يوم المحنة والفتنة.
عباد الله:وحياة كحياة ذلك الإمام أنى يحيط بها خطيب في خطبته، سيما وقد ألفت فيها المؤلفات، ولا يجد المتحدث عنها حينها إلا أن يذكر لمحات من هذه السيرة, ليدع ما سوى ذلك مودعاً في مظانة من كتب السيرة لمن رامه, فدعونا نعيش مع سيرته, ونقف مع بعض مواقفه
لقد عاش الإمام أحمد يتيماً ومات والده وعمرة ثلاث سنوات ولعمري فما ضر اليتم يوما من الأيام أحدا, بل لربما نشأ خيرا من غيره.
وهكذا كان الإمام أحمد: فقد بزّ أقرانه وفاق خلانه. وسبقهم في العلم والعبادة, وما كان لذلك الغرس أن ينمو إلا بتوفيق الله ثم عناية الأم, وكم للأم من دور في تربية الأجيال, كانت ترعاه وتحضره للمسجد في صغره, وتنتظره حتى يفرغ من صلاته فتعود به, وقال عن نفسه: ربما أردتُ الذهاب مبكراً في طلب الحديث قبل صلاة الفجر ، فتأخذ أمي بثوبي وتقول : حتى يؤذِّن المؤذِّن.
عباد الله: لقد كان الإمام أحمد فقيرا قليل ذات اليد, فربما ترك السفر لأنه لم يملك شيئاً, فإذا وجد مالاً خرج لطلب الحديث.
وما زال ذلك الشاب ساعيا في تحصيل العلم حتى سافر على الرواحل والأقدام إلى اليمن والحجاز وغيرها من بغداد في سبيل تحصيل الحديث وما تردد لأجل المشقة فأين همم طلاب العلم اليوم في زمن تيسرت فيه كل وسائل التحصيل, وربما رأيت مع قرب المنال الكسل والملال.
وفي خبر حفظه للقرآن يقول كنت أحفظ القرآن فلما بدأت بالحديث انشغلت عن القرآن فقلت متى أحفظه . فسألت الله أن يمن عليَّ بحفظه ولم أقل في عافية, فما حفظته إلا في السجن والقيود فإذا سألت الله حاجة فقل في عافية .
وإذا كان هذا هو الإمام أحمد فما أحرى شباب اليوم إلى أن يعتنوا بحفظ القرآن قبل أن تتشعب بهم المشاغل, ويشغلهم طلب الدنيا وطلب العلم عن حفظه .
أيها الكرام: لقد كان الإمام متورعاً عن المال الحرام وما فيه أدنى شبهة, رهن سطلاً له عند صاحب خضار، ولما جاء يطلب سطله أخرج إليه سطلين، فقال: انظر أيهما سطلك ؟ فقال: لا أدري أنت في حل منه، وخذهما لك, كل ذلك خشية أن يأخذ بالخطأ سطلاً غير سطله, تركهما تورعاً وتعففاً.
وقد بلغ من حاجته أنه رهن نعله عند خباز باليمن، وأكرى نفسه من جمالين عند خروجه، وكانت الأموال تعرض عليه فيتمنع .
وحين ذاع صيت الإمام وعلا ذكره وطار خبر علمه وكثر الثناء عليه, جاء إليه المروزي فقال : يا أبا عبد الله إن رجلاَ قال لي إنه من بلاد الترك إلى ها هنا يدعون لك، فكيف تؤدي شكر ما أنعم الله عليك، وما بث لك في الناس، وإن الجنود في المعركة إذا هدأ الليل رفعوا أصواتهم بالدعاء أدعوا الله لأبي عبد الله فقال : ليته لا يكون استدراجا أسأل الله أن لا يجعلنا مرائين, يا أبا بكر إذا عرف الرجل نفسه، فما ينفعه كلام الناس, وكان إذا أثني عليه قال: ليس يحرز الرجل المؤمن إلا حفرته، الأعمال بخواتيمها .
ودخل عليه أحد الصالحين فقال : إنَّ أمي رأتلك مناماً هو كذا وكذا، وذكرت الجنة، فقال : يا أخي إنَّ سهل بن سلامة كان الناسيخبرونه بمثل هذا ، وخرج في سفك الدماء، الرؤيا تسرُّ المؤمن ولاتغره, نحن أدرى بأنفسنا من أصحاب المنامات.
أيها الكرام: ولقد كان الإمام أحمد من أفاضل الناس نسباً، ومع هذا فإذا ذكرت الأنساب عنده لا يأبه بها, قال أحد تلاميذه: قلت له يوما يا أبا عبد الله، بلغني أنك من العرب فقال: يا أبا النعمان، نحن قوم مساكين, فلم يزل يدافعني حتى خرج، ولم يقل لي شيئا.
رسالة تهدى لأقوام لا تحلو مجالسهم إلا بالحديث عن الانساب والفخر بالأحساب .
وكان لا يرى لنفسه على الناس قدراً قال يحيى بن معين: ما رأيت مثل أحمد، صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشئ مما كان فيه من الخير, وقال أحد تلاميذه: قلت له يوماً إن فلانا، قال: لم يزهد أبو عبد الله في الدراهم وحدها، بل زهد في الناس, فقال: ومن أنا حتى أزهد في الناس ؟ الناس يريدون أن يزهدوا فيّ.
وقد أثنى عليه شخص، وقيل له: جزاك الله عن الاسلام خيراً, قال: بل جزى الله الاسلام عني خيراً, من أنا وما أنا ؟
عباد الله: ولقد كان الإمام أحمد على ما ناله من الشهرة إلا أنه من أشد الناس بعداً عنها, قال المروزي : سمعته يقول: والله لو وجدت السبيل إلى الخروج لم أقم في هذه المدينة، ولخرجت منها حتى لا أُذكر عن هؤلاء ولا يذكروني.
وقال: أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أعرف، قد بليت بالشهرة، إني أتمنى الموت صباحا ومساء.
فماذا نقول في زمن أصبحت الشهرة مطلبا ومرادا بعد أن كانت عند الإمام أحمد بلية .
عباد الله: ومن عجيب أمر الإمام أن أقرانه ذكروا أنه يحفظ من الأحاديث والأسانيد ما يبلغ مئات الآلاف
وقال الوراق: ما رأيت مثل أحمد، سئل عن ستين ألف مسألة فأجاب، فيها بحدثنا وأخبرنا أي بالحديث، ولعمري ما نال هؤلاء العلم بالدعة والكسل، بل بصبر وجلد وعزمية لا تُفلّ، وطلب متواصل, حتى قال عن نفسه وقد عوتب في ملاحقته للدروس والأئمة " مع المحبرة إلى المقبرة" فما أحرى طلاب اليوم إلى أن يقتدوا بأولئك الرعيل ويعلموا أن العلم لا ينال براحة الجسم ويعرفوا لأولئك الأئمة قدرهم في زمن أصبح التطاول على هؤلاء الكبار فرصة سريعة لمن أراد الظهور والبروز.
وحينما يذكر الزهد فالإمام أحمد إمام فيه فلقد أتته الدنيا فأباها والرياسة فنفاها, عرضت عليه الأموال وفرضت إليه الأحوال وهو يرد ذلك بتعفف وتعلل ويقول : قليل الدنيا يجزيء وكثيرها لا يجزيء, وما قل من الدنيا كان أقل للحساب, ويقول : إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس وأيام قلائل, ولقد ذكرت ببعض كتب التراجم عنه أنه مكث في حذائه ثمانية عشر عاماً .
أما والله ليس ذلك بخلاً وليس كل ذلك فقراً لكنه معنى من معاني الزهد وأن الدنيا متاع يكفيك منها القليل وأن القضية ليست بالمظاهر بل بالمخابر فأين هذا من حال بعض شباب اليوم ممن لا هم له إلا مظهره, وليست العناية بالمظهر مذمومة لكن الإشكال حين تلهي وتكون الغاية وتكون بالسرف والتبذير.
وأما عن عبادته فقد كان يمضى كثيراً من يومه في الصلاة, وكان يصلى العشاء فينام بعدها نومة خفيفة ليقوم بعد ذلك يصلي ويدعوا إلى الصباح, ولا يترك صوم الاثنين والخميس وأيام البيض, وبالتعبد والعمل بالعلم ينال العلم .
وكم ترى من امريء يطلب العلم فلا يوفق له وما علم أن ذلك ليس بكثرة الحضور والقراءة بل لا بد لذلك من وقود العبادة والعلاقة مع الله, وماذا يغني علم وصاحبه لا يعمل به .
أتى بعض طلاب الحديث إلى الإمام أحمد فنام عنده فوضع عنده ماء ليتطهر به ولما أتى لإيقاظه للفجر وإذا الماء على حاله لم يُمس فقال له أبو عبد الله سبحان الله طالب حديث وليس له حظ من قيام الليل ؟.
اللهم علمنا وارزقنا العمل بالعلم, أستغفر الله لي ولكم


تذكر كتب السير أن الإمام حين مرض مرض الوفاة طرق الباب عليه رجل قد شابت لحيته, وتقاطرت دمعاته, وحين فتح الباب له ألقى بنفسه على الإمام وقال له متوسلاً: أعف عني أبا عبد الله فأنا ممن جلدك عند الخليفة, أتدري كيف جلد, لقد جلد جلداً أغمي من شدته مرات, قال أحد جلاديه: جلدته جلداً لو وقع على فيل لمات, ومع هذا يلتفت إليه الإمام أحمد ويقول له: والله ما خرجت من ذلك المكان إلا وقد عفوت عن كل من ظلمني إلا صاحب بدعة, ثم التفت إلى ابنه عبد الله وقال:...
فما أسماها من نفوس وما أعظمه من عفو لا يقدر عليه إلا الكرام.
وأما حاله مع أهل بيته فقد كان يكثر أن يترحم على زوجته ويتصدق عنها كثيراً وقال: أقامت معي زوجتي أم صالح ثلاثين سنة فما اختلفت أنا وهي في كلمة, وبالوفاء يدوم الصفاء .
ولفته من لفتات التربية عند الإمام أحمد تبين لك حين نصب ابنه صالح للقضاء، فقريء الكتاب بذلك وألبس السواد وعنده المشائخ وهم يدعون له وإذا صالح ابن الإمام يبكي بكاء شديداً فسألوه عن ذلك فقال: ذكرت أبي أن يراني في مثل هذه الحال وكان أبي يبعث خلفي إذا جاءه رجل زاهد أو متقشف لأنظر إليه ويقول أين صالحٌ يرى هذا يحب أن أكون مثله, ولكن الله يعلم ما دخلت في هذا الأمر إلا لدَين غلبني وكثرة عيال.
عباد الله: ولم ينتهي الحديث عن سيرة هذا العلم, فقد بقي من حياته أشد مراحلها, وذاك حديث نحتاجه في زمن الفتن والمحن, حين تعرض الإمام للفتنة فثبت, ومواقف أخرى فيها عبرة, وذاك مما نشير له في الخطبة القادمة.






التعديل الأخير تم بواسطة غايتي رضا ربي ; 12 - 10 - 12 الساعة 10:10 PM
رد مع اقتباس
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 3 )
روقيه
قلب طموح
رقم العضوية : 8250
تاريخ التسجيل : Jan 2012
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : ق من أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم
عدد المشاركات : 2,455 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 39
قوة الترشيح : روقيه is on a distinguished road
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي رد: مواقف من حياة الإمام أحمد

كُتب : [ 11 - 04 - 12 - 10:39 AM ]




الإمام أحمد والدروس من المحنة

الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليُظهرَه على الدين كله وكفى بالله شهيداً. أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فهدى به من الضلالة، وبصرَّ به من العمى، وأرشد به من الغيّ، وفتح به أعيناً عميًا، وآذاناً صمًّا، وقلوباً غلفًا، فبلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعَبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه. صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً.
ما زال حديثنا أيها الكرام عن الإمام أحمدَ بنِ حنبلٍ ومواقفه, وليس بكثير على إمام أهل السنة أن يتحدث عنه في خطبتين وأكثر.
معاشر المسلمين : في زمن مُليء بالفتن, ووقت يعج بالتقلبات والتغيرات, مُهم أن يذكّر بفتنة الإمام أحمد ومحنته, تلك التي دخل فيها فنجح بامتحان, نُذكِّر بها في وقتٍ قد تُعرض الفتنُ على العالم أو الداعية أو المؤمن أياً كان, تُعرض ليُفتن عن دينه, أو ليُزحزح عن تمسكه, أو لتُشترى ذمتُه, وهنا فربما تساقط أقوامٌ, وتغيرت ذمم, وقليل من يوفق للثبات أمام الشدائد
لقد ابتلي الإمام بالشدة والرخاء, بالسراء والضراء, بالدين والدنيا.
فأما فتنة الدين فمحنة القول بخلق القرآن, تلك المحنة التي امتُحن على القول بها العلماء, وأوذي لأجلها الفضلاء, ذلك أن الناس كانوا على منهج السلف من القول بأن القرآن كلام الله, مُنزٌّل غير مخلوق, وأن الله يتكلم متى شاء بما شاء, حتى ظهرت المعتزلة القائلين بتأويل الصفات, وترتب على ذلك تأويلهم لصفة الكلام لله, وقولهم أن القرآن لم يتكلم به الله بل خلقه, وكان هذا الاعتقاد مؤداه تعطيل الله عن صفاته, ولم يكن لهؤلاء المعتزلة كلمة بل كانوا يستترون ببدعتهم زمن هارون الرشيد, الذي أقسم ليقتلن من قال بذلك, حتى جاء الخليفة المأمون فأثّر عليه هؤلاء وخالطوه, وحسنوا له القول بالبدعة وعاضدوه, وحينها تكلموا عن قوة إذ الخليفة بأيديهم, فصار الخليفة يمتحن الناس بهذه المقولة, ويستجوبُ العلماء في الأمصار, فمن أبى جُلد وسُجن, فإن أبي قُتل, فتساقط العلماء متأولين, ولكن بقي من العلماء اثنان الإمام أحمد, ومحمد بن نوح, فقيدا وارتحل بهما إلى الخليفة, فدعا الأمام أحمدُ أن لا يريه الله المأمون فمات المأمون وهم في الطريق.
وحينها أُرجع الإمام لبغداد, وتولى الخلافةَ المعتصم, وصار رئيس القضاة عنده رأس المعتزلة ابن أبي دؤاد, فاشتد الأمر بأهل السنة, وسُجن الإمام أحمد وهو مريضٌ, ثم حُمل إلى الخليفة, فجُمع له رؤوس المبتدعة يناظرونه, فيغلبهم, وحين أصر على موقفه أَمرَ الخليفةُ بجلده فضربوه حتى أغميَ عليه، فقال له المعتصم بعد أن أفاق: يا أحمد، ويلك تقتل نفسك، ويحك أجبني حتى أُطلق عنك بيدي، والإمام أحمد لا يجيب، والفقهاء المبتدعة يُحرضون المعتصم على قتل الإمام أحمد ويقولون: هو شيخ ضال مبتدع! اقتله ودمه في رقابنا, والمعتصم يقول لئن أجبت لأطلقن قيدك بيدي ولأركبن إليك بجندي ولأكرمنك, وهو ثابت أمام كل تلك الأحوال, عندها أمر المعتصم جنوده بضربه بالسياط، وهو يقول لكل واحد منهم: أوجع قطع الله يدك, حتى أُغمي على الإمام أحمد، ثم رموه على حصيرٍ، وكبُّوه على وجهه وداسوه .
عندها ثار الناس واجتمع الألوف بباب الخليفة, فخشي الخليفة من الفتنة, ومِن أن يموت الإمام من التعذيب فأمر بإخراجه من السجن, وإرجاعه لبلده ففرح الناس بالفرج له.
ثم ندم الخليفة المعتصم بعد ذلك على ما فعله بالإمام أحمد, وفتح المجال لأحمد فأفتى وحدث، حتى مات المعتصم، وتولى ابنه الواثق، وعندها عظُم البلاء والكرب، فقد أظهر الواثق هذه المقالة أيضاً، ومال إلى المبتدعة وكان أطوع لهم من سابقه، وضرب عليها وحَبس، وآذى أهل السنة، واشتد الأمر على أهل بغداد، فجاء نفر إلى الإمام أحمد يسألونه الخروج على الخليفة الواثق، فنهاهم عن ذلك
وطلبه الواثق فاختفى الإمام أحمد في بيوت أصحابه ثم بيته بقية حياة الواثق وولايته لا يخرج إلى الصلاة ولا غيرها حتى مات الخليفة
ولشدة اتباع الإمام للسنة أنه حين كان مختبئاً في بيت أحد تلاميذه فبقي في بيته ثلاثة أيام, ثم قال: اطلب لي موضعا، فقال له: لا آمن عليك، والناس يبحثون عنك, فلما أًر على بقائه قال له أحمد: اختفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام ثم تحول, وليس ينبغي أن تُتّبع سنة رسول الله في الرخاء، وتُترك في الشدة .
وحين أذن الله للمحنة أن تزول جاء الخليفة المتوكل, وعندها بدأ فتنة الدنيا, فألغى الخليفة الحظر عن الإمام أحمد وأحسن إليه ورفع شعار السنة ودحر البدعة, وكان الإمام أحمد عنده مقدَّراً مكرماً, فصار يتمكن من الخروج للصلاة والتحديث, وما زال الخليفة يرسل له بالعطايا والأموال وهو يرفضها, وإن أخذ فعلى مضض, ويطلب الخليفة قربه وهو يتباعد, ووقعت بينه وبين ابنه صالح جفوة حين قبل تلك العطايا
قال ابنه صالح : وكان رسول المتوكل يأتي أبي يبلغه السلام، ويسأله عن حاله فنسر نحن بذلك, وأما أبي فتأخذه قشعريرة حتى ندثره، ثم يقول: والله لو أن نفسي في يدي، لأرسلتهاويضم أصابعه ويفتحها.
وكان يقول بعد ذلك: هذه الفتنة بالسراء أشد من فتنة الضراء, والله إني لأتمنى الموت صباحا ومساء.
وأخيراً حضرت الإمامَ أحمدٌ الوفاة فمات في ضحى الجمعة, واجتمع لجنازته جموع لم تشهد بغداد مثلها, وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والدروب، ينادون من أراد الوضوء, وحينها تذكر الناس مقولةً كان الإمام أحمد نفسه يرددها ويقول: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم يوم الجنائز, نعم فالناس في الجنائز لا يأتون إلا لمن يحبون ويعظمون, ولذا فجنائز الصالحين مشهودة, وجنائز الظالمين مهجورة, فاللهم اغفر للإمام, واللهم صل على محمد

عباد الله: تتجلى في تلكم الأحداث عدة دروس :
فمنها: أن المؤمن على يقين أن الابتلاء لا يدوم وأن الشدائد لا بد أن تزول وأن الليل البهيم لا بد أن يعقبه الصباح, لقد طالَ الإمامَ من الابتلاء ما استمر سنين, ثم رفع الله الشدة بعد ذلك, فأين هذا ممن يتضايق من الابتلاء أو يتبرم من الامتحان أو يتأفف من الضراء, فالفرج يأتي مع الكرب, والصبح يطلع حين تشتد الظلمة.
ومن دروس المحنة أن الابتلاء هو درب الصالحين, فكم أوذي العلماء وسجنوا, بل وكم قتل منهم وكم ظُلِم, ولا جرم فالله يريد لهم الأجر والتمكين, ولا يمكن المرء حتى يبتلى, وها قد مضى شانئوهم بلا ذكر حسن, وبقي ذكر الإمام على كل لسان.
ومن هذه الدروس أن الناس في الفتن والشدائد يقتدون بالعلماء, وينتظرون منهم الموقف ليعرفوا الحق من غيره, وحين يغيب العالمُ عن أوقات الفتن تضطرب الأمور, ويتصدى لها النكرات, فيَضِلّون ويُضِلّون, وهذا ما وعاه أحمد.
قال المروذيّ للإمام أحمد وهو يقدم للجلد والعذاب: "يا أبا عبدالله، قال الله جل وعلا: ((ولا تقتلوا أنفسكم))، فقال الإمام أحمد: يا مروذي أخرج فانظر أي شيء ترى، قال: فخرجت إلى رحبة دار الخلافة، فرأيت خلقًا من الناس لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل، والصحف في أيديهم، والأقلام والمحابر في أدرعتهم، فقال لهم المروذي: أي شيء تعملون؟ فقالوا: ننظر ما يقول أبو عبدالله فنكتبه، فدخل إلى الإمام أحمد فقال: لقد رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبونه، فقال الإمام أحمد: يا مروذي، أُضِلُ هؤلاء كلهم؟ أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء
وقال إسحاق بن حنبل-عم الإمام أحمد-: "دخلت على أبي عبدالله وهو في السجن، فقلت: يا أبا عبدالله قد أجاب أصحابك، وقد أعذرت فيما بينك وبين الله عز وجل، وقد أجاب القوم، وبقيت أنت في الحبس والضيق، فقال الإمام أحمد: يا عم، إذا أجاب العالم تقيّة والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟"
ولئن كان هذا ثبات الإمام فإن شرارة الفتنة بدأت حين تنازل بعض العلماء واستجابوا للخليفة, وهم محدثو بغداد السبعة حين استجوبوا فأجابوا تقية, فكان الإمام أحمد يقول بعد ذلك: هم أول من ثلموا هذه الثلمة.
فهل يعي طالب العلم هذا الكلام, ويستشعر أن أهل الشر قد يفرحون منه بأدنى تنازل في المواقف, فما أعظم التبعة
ومن الدروس أيضاً أيها الكرام: أن العلماء يحتاجون إلى من يشد من عزمهم وقت الفتن, فالعالم بشر, وربما يتأثر بتخاذل الناس, وهنا فالكلمة الصادقة من التثبيت لها شأن في ثبات المؤمن على الحق, قال الإمام أحمد بن حنبل: "ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحَبة قوم، قال: "يا أحمد، إن يقتلك الحق مت شهيدًا، وإن عشت عشت حميدًا فقوىّ قلبي"
ما أحوجنا ونحن في زمن فتن, ووقتٍ قد ترى أهل الشر يوجهون سهامهم لداعية أو لعالمٍ أن نشد من عزم العالم والداعية الذي يقف في وجه المفسدين, ويثبت أمام فتن الدين, ليقوى قلبه, وينشط من العلماء غيرُه .
عباد الله: ومن روائع مواقف الإمام في المحنة العفو عن من آذاه, فلقد تولى كبر أذاه أحمد بن أبي داود, ومرت الأيام وتدور الأمور بالرجلين فيصير أحمد بن حنبل مكرماً عند الخليفة, وابن أبي دؤاد منبوذاً منه, ويتهيأ لابن حنبل الانتقام من خصومه, فيطلب منه وزير الخليفة أن يطلب من المتوكل ما يريد في شأن ابن أبي دؤاد, وهنا تتبين معادن الأخلاق, فلقد عفا عنه وعن كل من ظلمه, وقال معاذ الله أن أنتقم منه
عباد الله: والحرص على دفع الضرر عن المسلمين، ولو أدّى ذلك إلى الإمساك عن بعض طرق الخير، يقول حنبل: "لما مات المعتصم وولي ابنه الواثق، أكثر الناس من الأخذ عن الإمام أحمد، فشق ذلك على أهل البدع، فكتب قاضي بغداد إلى ابن أبي دؤاد: أن أحمد قد انبسط في الحديث، فلما بلغ أبا عبدالله أمسك عن التحديث من نفسه من غير أن يمنع"، وهذا من فقه وحكمته، خوفا من حصول فتنة تسلط أهل الأهواء ثانية.
أيها المسلمون: وتحري العالم السنة والحرص على حقن الدماء حتى وهو مظلوم ومؤذى درس من دروس المحنة, لقد جاءت الجموع إلى أحمد يطلبون منه أن ينزع يد الطاعة من الخليفة وذكروا ظلمه وبدعته فقال: عليكم بالنكرة بقلوبكم ولا تخلعوا يدا من طاعة ولا تشقوا عصا المسلمين ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم انظروا في عاقبة أمركم واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر, هذا خلاف الآثار التي أمرنا فيها بالصبر. (السنة للخلال)
إنه موقف من عالمٍ يبين قدر العلماء في زمن الفتن, وأنهم بعد توفيق الله صمام الأمان للمجتمع المسلم.
وبعد فتلك إشارات ولمحات, لبعض ما وقع في حياة إمام أهل السنة, والدروس التي ينبغي أن يعيها الناس في وقت الفتنة والمحنة, سيرة حرية بالعناية, ومواقف جديرة أن تذكر, وما تركت أكثر مما ذكرت, فليتنا نعود لسير أولئك الأعلام حقاً, وليت سير هؤلاء تدرس في مناهجنا, فهؤلاء هم النجوم حقاً في زمنٍ غارت فيه النجوم.
غفر الله للإمام, وصلى الله وسلم على محمد وصحبه الكرام






التعديل الأخير تم بواسطة غايتي رضا ربي ; 12 - 10 - 12 الساعة 10:13 PM
رد مع اقتباس
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 4 )
غايتي رضا ربي

رقم العضوية : 7533
تاريخ التسجيل : Nov 2010
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : ♥ في أَكنَافُ بَيتِ المَقدِس ♥
عدد المشاركات : 10,616 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 2127
قوة الترشيح : غايتي رضا ربي has a reputation beyond reputeغايتي رضا ربي has a reputation beyond reputeغايتي رضا ربي has a reputation beyond reputeغايتي رضا ربي has a reputation beyond reputeغايتي رضا ربي has a reputation beyond reputeغايتي رضا ربي has a reputation beyond reputeغايتي رضا ربي has a reputation beyond reputeغايتي رضا ربي has a reputation beyond reputeغايتي رضا ربي has a reputation beyond reputeغايتي رضا ربي has a reputation beyond reputeغايتي رضا ربي has a reputation beyond repute
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي رد: من أراد التعرف على سيرة أحد الأئمة من السلف الصالح فليتفضل من هنا

كُتب : [ 13 - 10 - 12 - 05:36 PM ]

جزاكنّ الله خيراً
مشاركة قيمة ورائعة





رد مع اقتباس
إضافة رد
  

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أحمد, أحد, أراد, مواقف, الأئمة, التعرف, السلف, الصالح, الإمام, حياة, شجرة, على, فليتفضل, هنا

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيعى إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيعى الرد على المواضيع
لا تستطيعى إرفاق ملفات
لا تستطيعى تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتبة الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مختصر الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالي جومانة2009 سير العلماء 8 11 - 05 - 13 09:39 PM
هل أنت على مراد الله منك؟ أملى الجنان على طريق الدعوه 7 08 - 09 - 12 03:02 AM
من بريدي من أقوال السلف الصالح إيمان القلوب الملتقى العام 14 30 - 01 - 11 05:35 PM
قصص السلف الصالح في رمضان... جومانة2009 سيرة الصحابة 4 02 - 05 - 10 07:44 PM
مع السلف الصالح في القيام أم القلوب على طريق الدعوه 14 21 - 10 - 09 06:55 AM


RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 01:56 PM.


   الدرر السنية

بحث عن:



 
Powered by vBulletin
.Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd