الاستخارة غيرت حياتى باسورد أنا وطفلى أنت فى مرأة الأخرين تمنيت تعلم العمرة بالصور حملة التضامن مع غزة


العودة   أخوات إيمان القلوب > الملتقى الأدبى > فى قصصهم عبرة

فى قصصهم عبرة قصص حسن وسوء الخاتمة والصبر وقصص عامه




إضافة رد
 
أدوات الموضوع
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 1 )
اسلامنا هوالنور
فريق العمل
رقم العضوية : 6644
تاريخ التسجيل : Apr 2010
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : مصر
عدد المشاركات : 3,296 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 38
قوة الترشيح : اسلامنا هوالنور is on a distinguished road
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
مميز سلسلة هل نعرفهم؟ متجدد ان شاء الله

كُتب : [ 09 - 10 - 10 - 12:09 AM ]








الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله
وعلى آله وصحبه ومن وآالاه





هذه سلسلة
لعظماء من الرجال والنساء
في قصصهم عبرة
لكن لا نعرف عنهم الكثير

والموضوع متجدد ان شاء الله




نبدأ ان شاء الله

1

هذه الشخصية مُهداة الى كل شباب المسلمين

هو الملك المنصور محمد ابن أبي عامر

صاحب اعظم طموح بلغ به الى سدة الحكم

فهل نعرفه
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

حاكم الأندلس المنصور محمد بن أبي عامر
التعريف به ونسبه

هو المنصور أبو عامر محمد بن أبي حفص عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر محمد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، الداخل إلى الأندلس مع طارق، وكان له في فتحها أثر جميل؛ وكان في قومه وسيطًا، ونزل الجزيرة الخضراء لأول الفتح، فساد أهلها، وكثر عقبه فيها، وتكررت فيهم النباهة والوجاهة.
وكان أبوه من أهل الزهد في الدنيا، والقعود عن السلطان، سمع الحديث، وأدى الفريضة، ومات منصرفًا من حجه بمدينة أُطرابلُس المغرب، وكانت أمه تميمية، وأبوه معافريًّا.

النشأة والتربية

نشأ محمد بن أبي عامر بين جد دخل الأندلس فاتحًا فساق إليه ذكريات الجهاد وحلاوة الفتح، وبين والد تاركًا للدنيا زاهدًا فيها، فكان حسن النشأة، ظاهر النجابة، تتفرس فيه السيادة؛ وابن أبي عامر من المدينة المعروفة بـ(الجزيرة الخضراء) من قرية من أعمالها تسمى طرش على نهر يسمى وادي آروا.

رحل "محمد بن أبي عامر" إلى (قرطبة)، وتأدب بها، فطلب العلم والأدب وسمع الحديث وتميز في ذلك وكانت له همة يحدث بها نفسه بإدراك معالي الأمور، وكان بداية أمره أن اقتعد في دكان عند باب القصر يكتب فيه لمن أراد أن يكتب شيئًا يرفعه إلى السلطان، وظل في هذا الأمر إلى أن طلبت "السيدة صبح" أم "هشام المؤيد" من يكتب عنها، فعرّفها به من كان يأنس إليه بالجلوس من فتيان القصر، فترقّى إلى أن كتب عنها، فاستحسنته ونبّهت عليه الحكم المستنصر ورغبت في تشريفه بالخدمة، فولاّه قضاء بعض المواضع، فظهرت منه نجابة، فترقّى إلى الزكاة والمواريث بإشبيلية، وتمكّن في قلب السيدة بما استمالها به من التّحف والخدمة ما لم يتمكن لغيره، ولم يقصر - مع ذلك - في خدمة المصحفيّ الحاجب، إلى أن توفّي "الحكم" وولي ابنه "هشام المؤيد"، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فجاشت الروم، فجهز "المصحفيّ" "ابن أبي عامر" لدفاعهم، فنصره الله عليهم، وتمكّن حبّه من قلوب الناس، وكان شهمًا، شجاعًا، قوي النفس، حسن التدبير، استمال العساكر وأحسن إليهم، فقوي أمره، وتلقب بـ"المنصور"، وتابع الغزوات إلى الفرنج وغيرهم، وسكنت البلاد معه، فلم يضطرب منها شيء.

المنصور حاكمًا للأندلس

لقد خلد التاريخ ذكر رجال طلبوا معالي الأمور، وكانت لهم همم لا منتهى لكبارها، بلغوا بها العُلا، من هؤلاء "المنصور بن أبي عامر" الذي اعتبره المؤرخون أعظم من حكم الأندلس.
بدأ حياته طالبًا للعلم ثم تدرج حتى أصبح قاضيًا، ثم آل إليه الحكم بعد ذلك، وكان يمني نفسه به.

ومن القصص الطريفة التي رويت عنه، ما ذكره "المراكشي" في كتابه المعجب عن الفقيه أبي محمد علي بن أحمد:

أن ابن أبي عامر كان يومًا جالسًا مع ثلاثة من أصحابه من طلبة العلم، فقال لهم: ليختر كل واحد منكم خِطَّة أولِّيه إياها إذا أفضى إليَّ الأمر!
فقال أحدهم: توليني قضاء كورة رية (وهي مالقة وأعمالها)؛ فإنه يعجبني هذا التين الذي يجيء منها.

وقال الآخر: توليني حسبة السوق؛ فإني أحب هذا الإسفنج.

وقال الثالث: إذا أفضي إليك الأمر، فأمر أن يطاف بي قرطبة كلها على حمار ووجهي إلى الذنب وأنا مطلي بالعسل؛ ليجتمع عليَّ الذباب والنحل!

وافترقوا على هذا، فلما أفضى إليه الأمر كما تمنى، بلغ كل واحد منهم أمنيته على نحو ما طلب!

وكان كثير الغزو لا يمل منه، وحسبت غزواته فكانت أكثر من خمسين غزوة، لم يهزم في واحدة منها.

جهاده.. وأهم المعارك

لقد ملك الجهاد قلب "المنصور بن أبي عامر"، حتى فقد الاستطاعة على تركه، وذكر "المراكشي" في كتابه المعجب عن مدى حب "ابن أبي عامر" للغزو والجهاد، فيقول: "وبلغ من إفراط حبه للغزو أنه ربما خرج للمصلى يوم العيد فحدثت له نية في ذلك، فلا يرجع إلى قصره بل يخرج بعد انصرافه من المصلى كما هو من فوره إلى الجهاد، فتتبعه عساكره وتلحق به أولاً فأولاً، فلا يصل إلى أوائل بلاد الروم إلا وقد لحقه كل من أراده من العساكر، ولم يتكاسل عن الجهاد حتى في مرضه، وقد مرض وهو في طريق للغزو، فلم يرجع بل رفع يديه طالبًا من الله أن تأتيه منيته وهو في الغزو، فكان كما أراد، لقد خلصت نيته لله فأعطاه الله ما تمنى.

استطاع "ابن أبي عامر" أن يصل إلى معاقل في أرض إسبانيا ما وصل إليها أحد من قبله منذ أن دخل "طارق بن زياد" فاتحًا وحتى عهده، فقد وصل إلى أكبر معاقل النصرانية في "إسبانيا"، وملئت بلاده من سبايا الروم وغنائمهم، حتى نودي على ابنة عظيم من عظماء الروم بقرطبة (وكانت ذات جمال رائع)، فلم تساوِ أكثر من عشرين دينارًا عامرية.

وكان يغزو غزوتين في السنة: مرة في الشتاء، ومرة في الصيف، وبلغت غزواته أكثر من خمسين غزوة لم يهزم فيها، ولم ينل منه عدوه قَطُّ.

ومن آثار غزواته أنه افتتح حصن (مولة)، وظهرا فيه على سبي كثير، وغنم المسلمون أوسع غنيمة، وكان ذلك في عام 366هـ.
ودخل على (طليطلة) غرة صفر من سنة 367هـ؛ فاجتمع مع صهره "غالب"، فنهضا معًا، فافتتحا حصن (المال)، وحصن (زنبق)، ودوخا مدينة (شلمنقة)، وأخذا أرباضها، وعاد "ابن أبي عامر" إلى قرطبة بالسبي والغنائم، وبعدد عظيم من رءوس المشركين، وتمت هذه الغزوة في أربعة وثلاثين يومًا من خروجه إليها.


ومن أهم معارك التي قضى فيها على معقل من معاقل النصرانية في (إسبانيا) معركة (شنت ياقوب).

وقبل أن نخوض غمار المعركة نلقي نظرة على موقع هذه المدينة في قلوب النصارى وأهميتها عندهم، كانت هذه المدينة أعظم مشاهد النصارى في بلاد "الأندلس"، وكان النصارى يعظمون كنيستها، كتعظيمنا للكعبة المشرفة، وإلى هذه الكنيسة كان يحجون قادمين إليها من أقصى البلاد الرومية، وزعموا أنها بها قبر "يعقوب" من حواري سيدنا عيسى عليه السلام، ولم يتمكن أحد من المسلمين الفاتحين للأندلس دخولها أو فتحها حتى تم ذلك على يد المجاهد "محمد بن أبي عامر".

وقد خرج "المنصور" إليها من قرطبة غازيًا بالصائفة يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة سنة 387هـ، متوجهًا إلى (شنت ياقوب)، ودخل على مدينة (قورية)، ولما وصل "المنصور" إلى مدينة (غليسية)، وافاه عدد عظيم من القوامس المتمسكين بالطاعة في رجالهم، فصاروا في عسكر المسلمين، وكان "المنصور" قد أمر ببناء أسطولاً بحريًّا فبعد أن تم بناؤه جهزه برجاله البحريين، وحمّل فيه المؤن والذخائر والأطعمة والأسلحة، وخرج "المنصور" إلى موضع على نهر (دويره)؛ فدخل في النهر إلى المكان الذي عمل "المنصور" على العبور منه؛ فعقد هناك من هذا الأسطول جسرًا بقرب الحصن الذي هناك. ووزع المنصور ما كان فيه من الميرة على الجند؛ فتوسعوا في التزود منه إلى أرض العدو، ونهض يريد (شنت ياقوب)، فقطع أرضين متباعدة الأقطار، وقطع بالعبور عدة أنهار كبار وخلجان، وبعد أن خاض المسلمون غمار المعركة تارة في البحر وأخر في البر، سالكين الجبال والأودية، إلى أن أتم الله عليه فتح (شنت ياقوب)، ولما وصل إليها المسلمون وجدوها خالية من السكان، فحاز المسلمون غنائمها، وهدموا مصانعها وأسوارها وكنيستها، وعفوا آثارها،وانكفأ المنصور عن باب شنت ياقوب، وقد بلغ غاية لم يبلغها مسلم قبله.

أخلاقه

دخل "المنصور" (شنت ياقوب) أكبر معاقل لنصارى الروم في ذلك الوقت، إلا أنه لم يجد فيه إلا شيخا من الرَّهبان جالسًا على القبر؛ فسأله عن مقامه، فقال: أوانس "يعقوب". فأمر "المنصور" بالكف عنه.

ولا عجب فهذه هي أخلاق الإسلام، فقد كانت وصايا النبي صلى الله عليه وسلم للجيش ألاّ يقتل طفلاً ولا وليدًا ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة ولا راهبًا في صومعته، ولا يجهزوا على جريح، ولا يقطعوا شجرة، ولا نخلاً، وكذلك كانت وصايا الخلفاء من بعده.
كانت نشأة المنصور بن أبي عامر لها أثر كبير في تغيير مسار حياته؛ فقد نشأ متعلمًا لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فتربى على هذه الأحاديث حتى استقى أخلاقه من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.

من أقواله


كان المنصور بن أبي عامر شاعرًا، ومن شعره:

رميت بنفسي هول كلّ عظيمة ... وخاطرت والحرّ الكريم يخاطر
وما صاحبي إلا جنـانٌ مشيّعٌ ... وأسمـر خطّيٌّ وأبيـض باتـر
فسدت بنفسي أهل كلّ سيادة ... وفاخرت حتى لم أجد من أفاخر
وما شدت بنيانًا ولكـن زيادة ... على ما بنى عبد المليك وعامـر
رفعنا المعالي بالعـوالي حديثة ... وأورثناها فـي القـديم معافـر


وفاته

دامت دولته ستًّا وعشرين سنة، غزا فيها اثنتين وخمسين غزوة واحدة في الشتاء وأخرى في الصيف، وكانت وفاته في غزاته للإفرنج بصفر سنة ثلاثمائة واثنتين وتسعين، وحمل في سريره على أعناق الرجال، وعسكره يحفّ به وبين يديه، إلى أن وصل إلى مدينة (سالم).
وكان في كل غزوة من غزواته ينفض عنه تراب الغزوة ويضعه في كيس، وكان يصطحبه معه في غزواته، وعند وفاته أوصى أن يذر هذا التراب على كفنه؛ ليكون شاهدًا على جهاده يوم القيامة.

فرحم الله "أبا منصور"، وأسكنه فسيح جناته، وغفر له ما أصاب من زلل[1].











رد مع اقتباس
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 2 )
اسلامنا هوالنور
فريق العمل
رقم العضوية : 6644
تاريخ التسجيل : Apr 2010
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : مصر
عدد المشاركات : 3,296 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 38
قوة الترشيح : اسلامنا هوالنور is on a distinguished road
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي رد: سلسلة هل نعرفهم؟ متجدد ان شاء الله

كُتب : [ 09 - 10 - 10 - 05:44 PM ]

هل نعرف الاخت الفاضلة بنان علي الطنطاوي رحمها الله؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
*************************

بنان الطنطاوي إبنة الشيخ الوقور علي الطنطاوي رحمها الله



أستشهدت بسبب قيامها بالدعوة الإسلامية في ألمانيا

كان استشهاد أم أيمن ، بنان الطنطاوي العطار ، رحمها الله ، يوم 17/3/1981م ،

وهذه وقفة قصيرة ، لا تعتمد أسلوب إيحاء المناسبات تقليديا ، فأم أيمن - يعلم الله - لم تفارق ذكراها مَن عرفها لا سيّما أخواتها وإخوانها من كثب ،

إنّما هي وقفة قصيرة في فترة نرصد فيها كيف ينتشر التيئيس في كلّ مكان من بلادنا الإسلامية ، وأم أيمن كانت تجسّد الأمل طوال حياتها الحافلة بالعطاء ، في ظروف شديدة قاسية منهكة ، على المستوى العام والخاص ، فيما تواجههه الأمّة والبلاد ، وفيما تواجهه أسرتها ، ومن يطّلع من جيل الشبيبة ، جيل المستقبل ، على بعض ما كتبته ، مثل "كلمات صغيرة" المنشورة في مداد القلم ، يدرك ما تعنيه هذه العبارات عنها ، ويمكن أن يعلم أيضا كيف نسلك السبيل إلى ترسيخ الأمل وإلى اقترانه بالعمل الدائب ، حتى نلقى الله عزّ وجل .

وإلى جانب ذلك تنقل الكلمات المختارة التالية - وهي غيض من فيض - ممّا كتب عن شهادتها ، صورة إلى جيل المستقبل أيضا ، ممّن لم يعايش تلك الحقبة من حياة أمتنا الإسلامية ، وربّما لا يعي ما يعنيه تعبير "الصحوة الإسلامية" وكيف أمكن شقّ طريقها رغم العقبات والعراقيل ، ورغم كثير من الأهوال والمشقات .

الكلمات التالية بقلم أبيها ، الشيخ الوقور العلامة علي الطنطاوي رحمه الله ، وبقلم الكاتب د / أحمد البراء الأميري ، ابن الشاعر بهاء الدين الأميري رحمه الله ، وما رأى أم أيمن إلا مرة واحدة .


أترك أصدقاء مداد القلم مع هذه الكلمات وأجوائها ، وأدعوهم إلى أن يجعلوا منها مدخلا إلى الأمل الكبير ، والعمل المتواصل ، فما عاشت الشهيدة له واستشهدت على طريق العمل من أجله ، هو عين الإسلام الذي نحمل أمانة المسؤولية عنه ، وعين الحياة الإسلامية الإنسانية الكريمة التي نصبو إليها ، مع كلّ ما تحتاج إليه شعوبنا وبلادنا من تحرّر الإرادة ، وتحرّر الفكر ، وسموّ المشاعر والعواطف ، ومن العلم والمعرفة والوعي والعمل والصبر والمصابرة .. حتى يأتي الله بأمره ، وما ذلك على الله بعزيز.

الشهيدة بنان.. بقلم أبوها علي الطنطاوي ( من مذكراته الشخصية وحديث الأب عن إبنته )


(نقلا عن مذكراته)

إنّ كل أب يحبّ أولاده ، ولكن ما رأيت ، لا والله ما رأيت من يحبّ بناته مثل حبي بناتي ... ما صدّقت إلى الآن وقد مر على استشهادها أربع سنوات ونصف السنة – الآن يقصد عام 1404 هـ - وأنا لا أصدق بعقلي الباطن أنها ماتت ، إنني أغفل أحيانا فأظن إن رنّ جرس الهاتف ، أنّها ستعلمني على عادتها بأنّها بخير لأطمئنّ عليها ، تكلّمني مستعجلة ، ترصّف ألفاظها رصفا ، مستعجلة دائما كأنّها تحسّ أنّ الردى لن يبطئ عنها ، وأنّ هذا المجرم ، هذا النذل ..... هذا ....... يا أسفي ، فاللغة العربية على سعتها تضيق باللفظ الذي يُطلق على مثله ، ذلك لأنّها لغة قوم لا يفقدون الشرف حتى عند الإجرام ، إنّ في اللغة العربية كلمات النذالة والخسة والدناءة ، وأمثالها ، ولكنّ هذه كلها لا تصل في الهبوط إلى حيث نزل هذا الذي هدّد الجارة بالمسدس حتى طرقت عليها الباب لتطمئن فتفتح لها ، ثم اقتحم عليها على امرأة وحيدة في دارها فضربها ضرب الجبان والجبان إذا ضرب أوجع ، أطلق عليها خمس رصاصات تلقّتها في صدرها وفي وجهها ، ما هربت حتى تقع في ظهرها كأنّ فيها بقية من أعراق أجدادها الذين كانوا يقولون،

ولكن على أقدامنا نقطر الدما

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا

ثم داس الـ .... لا أدري والله بم أصفه ، إن قلت المجرم ، فمن المجرمين مَن فيه بقية من مروءة تمنعه من أن يدوس بقدميه النجستين على التي قتلها ظلما ليتوثق من موتها ، ولكنه فعل ذلك كما أوصاه من بعث به لا غتيالها ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
دعس عليها برجليه ليتأكد من نجاح مهمته ، قطع الله يديه ورجليه ، لا ، بل أدعه وأدع من بعث به لله ... لعذابه ... لانتقامه ... ولعذابُ الآخرة أشدّ من كلّ عذاب يخطر على قلوب البشر ...
لقد كلّمتها قبل الحادث بساعة واحدة ،
فقلت لها : أين زوجكِ عصام ؟
فقالت : خبَّروه بأنّ المجرمين يريدون إغتياله وأبعدوه عن البيت ،
فقلت : وكيف تبقين وحدكِ ؟
فقالت : بابا لا تشغل بالك بي أنا بخير ، ثق والله يا بابا أنّني بخير ، إنّ الباب لا يُفتح إلاّ إن فتحته أنا ، ولا أفتح إلاّ إن عرفت من الطارق وسمعت صوته ، إنّ هنا تجهيزات كهربائية تضمن لي السلامة ، والمسلِّم هو الله .
ما خطر على بالها أنّ هذا الوحش ، هذا الشيطان سيهدّد جارتها بمسدسه حتى تكلّمها هي ، فتطمئنّ ، فتفتح لها الباب .
ومرّت الساعة ... فقُرع جرس الهاتف ...
وسمِعْتُ من يقول : كَلِّمْ وزارة الخارجية ...
فقلت : نعم .
فكلّمني رجل أحسست أنّه يتلعثم ويتردّد ، كأنه كُلِّف بما تعجز عن الإدلاء به بلغاء الرجال ، بأن يخبرني ... كيف يخبرني ؟؟؟
ثمّ قال: ما عندك أحد أكلمه ؟ وكان عندي أخي . فكلّمه ، وسمع ما يقول ورأيته قد ارتاع ممّا سمع ، وحار ماذا يقول لي ، وأحسست أنّ المكالمة من ألمانيا ،
فسألته : هل أصاب عصاماً شيء ؟؟
فقال : لا، ولكن ....
فقلت: ولكن ماذا ؟؟
فقال أخي : بنان ،
فقلت: مالها ؟؟
فقال : وبسط يديه بسط اليائس الذي لم يبق في يده شيء...
وفهمت وأحسستُ كأن سكيناً قد غُرس في قلبي ، ولكنّي تجلدتُ وقلت هادئاً هدوءاً ظاهريا ، والنار تضطرم في صدري : حدِّثْني بالتفصيل بكلّ ما سمعت .
فحدّثني... وثِقوا أنّي مهما أوتيت من طلاقة اللسان ، ومن نفاذ البيان ، لن أصف لكم ماذا فعل بي هذا الذي سمعت ...
كنت أحسبني جَلْداً صبوراً ، أَثْبُت للأحداث أو أواجه المصائب ، فرأيت أنّي لست في شيء من الجلادة ولا من الصبر ولا من الثبات .

نعم ، لم نكن دائماً في طباعنا ورغباتنا وآرائنا وخياراتنا في أمور الحياة المختلفة صورةً واحدةً لا نختلفُ أبداً في حُبٍّ أو كُرْه ، وفي تقويم أو حُكْم ، وفي رَأيٍ أو خيار .. ولكن لم يكن يطولُ أو يشتدُّ بيننا خِلافٌ إن حصل -ونَدَرَ ما كان يحصل- بيننا خلاف ، فالبواعثُ في حياتنا واحدة ، والمنطلقاتُ واحدة ، والغايةُ واحدة ، والأهدافُ واحدة ، والمقاييسُ والموازينُ واحدة ، والحبُّ العميقُ المتجدِّدُ لا يَنْضَب ولا يضعف ، والإعجابُ والتقديرُ والعرفانُ يزدادُ يوماً بعد يوم

كانت إذا أحَسّتْ في نفسها ، أو أحَسّتْ منّي في حِوارِنا ونقاشِنا في بعض الحالاتِ النادرةِ بَوَادِرَ زَعَلٍ أو غضب لم تسمح لهذا الحوار والنقاش أن يستمرَّ ويشتدّ ، وانفردتْ بنفسها ساعةً تطولُ أو تقصر تقرأ القرآن -كما تَعَوَّدَتْ- بقلبها وعقلها ولسانها ودموعها .. ثم تنهض أَهْدَأَ ما تكونُ حالاً ، وأرضى ما تكونُ نفساً ، وأكثرَ ما تكونُ انشراحاً ونشاطاً .. « لِلّهِ هذه المرأةُ المسلمةُ ما كان أَوْثَقَ ارتباطَها بكتاب الله عزَّ وجلَّ ، كان القرآن العظيم حقيقةً لا كلاماً ولا وهماً ربيعَ قلبِها ، ونورَ صدرِها ، وجَلاءَ حُزنِها ، وذَهابَ همّها .. كان القرآن حياتها وباعِثَها ، ودليلَها وهاديها في مختلف مشاعرها ومواقفها وخطواتها ، وكان حِصْنَها الحصين ، وملجأها الأمين ، عندما كانت تُطْبِقُ علينا في بعض أيامنا الظلمات ، وتعصفُ حولَنا العواصف ، وتطرُقُ أبوابَنا المخاوفُ والمخاطر ، فلا يكونُ أحدٌ في الدنيا أكثرَ مها وهي تعتصم بالإيمانِ والقرآنِ طُمَأْنينةً وأمناً ، ولا قدرةً على الثبات والصبر ، وعلى تحدّي الطاغوتِ ولو ملأ بطغيانه الدنيا » .



قلت قبل قليل : كانت بنان -رحمها الله تعالى- إذا أحسّتْ في نفسها ، أو أحست منّي في حوارنا ونقاشنا بوادرَ زَعَلٍ أو غضب لم تسمح لهذا الحوار والنقاش أن يستمرّ ويشتدّ ، وانفردتْ بنفسها ساعةً تطولُ أو تقصر تقرأُ القرآن -كما تعَوّدتْ- بقلبها وعقلها ولسانها ودموعها .. ثم تنهض أهدأ ما تكونُ حالاً ، وأنعمَ ما تكون بالاً ، وأوفرَ ما تكونُ انشراحاً ونشاطاً ، ولا نستأنفُ ما كنّا فيه من حِوارٍ ونقاش ؛ ولكنها تكتبُ إليَّ قبلَ أن ينصرمَ النهارُ ، ويَنْسَدِلَ الظلامُ رسالةً فيها ما يشاءُ المحبون الصادقون من رِقّةٍ وعاطفةٍ وأناقةٍ وجمال .. رسالةً مِلْؤها الحبُّ والعرفانُ وشُكْرُ الله عزَّ وجلَّ على ما أنعم به علينا من الإيمان والطاعة والمحبة والسعادة ، ومن سائر النعم ، ثمّ تعرضُ عرضاً موضوعيّاً أميناً ما دار بيننا من حِوارٍ ونقاش ، وما اتفقنا عليه أو اختلفنا فيه ، وتشرحُ وجهةَ نظرِها بهدوء ووضوح واختصار ، ثم تترك في نهاية الرسالة الأمر إليّ أختار فيه ما أراه ، وأنا أختار عادةً في أمورنا الخاصة ما تختاره هي ، فإذا تعلّق الأمرُ بواجب من الواجبات ، أو بما يجرُّ نفعاً أو ضرراً لآخرين ، عاودنا الجلوس والحوار والنقاش بهدوء وانبساط واستيعاب ، وانتهينا فيه إلى اتفاق على ما نراه صواباً أو أقرب إلى الصواب
وكتابة الرسائل عند « أم أيمن » رحمها الله إلى زوجها عادةٌ من أرسخ العادات عندها وأجمل العادات وأنفع العادات ؛ فهي تكتب إليّ ونحن نعيش في بيت واحد ، ونتحدّثُ ما شئنا الحديثَ في أيِّ ساعةٍ من ساعات الليل والنهار في أيِّ أمرٍ من الأُمور كَبُرَ أو صَغُرَ بشغف وبعفوية وبساطة دون أيّ تكلّف أو حرج ؛ ولكنها مع ذلك تكتب إليّ .. تكتب لتعبّر بأسلوبٍ بليغ ساحر عن أعمق أعماق نفسها ، وعن أَدَقِّ أحاسِيسِها ومشاعرها .. عن محبتها الغامرة لزوجها وطفليها وأهلها .. عن حنينها الدائم للشامِ وأحبابِنا في الشام ومَدارجِ طفولتِنا وشبابِنا وذكرياتنا في الشام .. عن مآسي العرب والمسلمين والإنسانية والإنسان ، وعن همومهم ومآملهم في كلّ مكان .. وعن واجباتِنا الكبيرةِ الكبيرةِ التي يجب علينا أن ننهضَ بها ، ونكرّسَ لها حياتنا كلَّها حيثما كُنّا من الأرض
هذه الرسائل التي كتبتها بنان بقلبها وفكرها ، وأحاسيسها ومشاعرها ، وثقافتها وتجربتها ، وآمالها وأحلامها .. هذه الرسائل كنـزٌ إسلاميٌّ إنسانيٌّ أدبيٌّ لا يقدّر بثمن ؛ ولكنني أضعت هذا الكنـز وا أسفاه ، أضعتُه أو سُرِقَ مني مع ما ضاع أو سُرِقَ من أوراقيَ الأُخرى ، عندما فُرِضَ عليَّ فَرْضاً من سلطاتٍ ألمانية ألاّ أستقرّ في مكان ، فهناك -كما قالوا- قتلةٌ مسلّحون يقتفون أثري ، ويريدون قتلي ، فيجب أن يتغيّر عنواني وسَكَني باستمرار ..
قلت لهم :
- دعوني أُقْتَل فأنا لا أخافُ القتلَ ، ولا أرهبُ الموت ، ولا أُحَمِّلُكُم ولا أُحَمِّلُ أحداً غيري مسؤولية ما يصيبني
قالوا :
إنّ وجودك في مكانٍ دائم يُهَدِّدُ حياةَ غيرك من السكّان وينشُرُ القلقَ والفزع في الشارع الذي تسكن فيه ، ويصنع كذا وكذا وكذا من الأخطار والأضرار ، فلا بدّ لك -كما طلبنا- من تغيير عنوانك وسكنك باستمرار!
وجمعتُ أوراقاً مهمةً لي ، أثيرةً عندي ، ومن أهمّها رسائل أم أيمن القديمة والحديثة ، ووضعتُها مع المصحف الشريف في حقيبة خاصّة ، وأسلمت نفسي لقضاء الله وقدره
سَنَةٌ ونصفُ السنة ، لا يكادُ يستقرُّ جنبي في بلد أو سَكَن حتى يُقالَ لي : إرحلْ فقد عرف مكانك! إرحلْ .. إرحلْ .. إرحلْ ، وفي هذا الرحيل المتواصل في الصيف وفي الشتاء ، وفي الربيع والخريف ، بين مدنٍ وقُرىً ، وفنادقَ ومنازلَ منقطعة عن العمران ، يباعد بعضَها عن بعضٍ أحياناً مئاتُ الكيلومترات ، وأنا مُتعَبٌ مُرْهَقٌ مَريضٌ مَريض .. في هذا الرحيل المتواصل فُقدَتْ منّي -أو سُرِقت مني- أوراقي وفيها .. وفيها .. وفيها رسائِلُ أم أيمن رحمها الله ، وكلماتٌ من كلماتها ، فلم يبقَ لي إلاّ بعضُ رسائل وكلمات سبق نشرها أو نُسِخَ منها من قَبْلُ نُسَخٌ أُخرى

عن "الذكريات" الجزء السادس، صفحة 122، وفيها المزيد

إنها إمرأة تُبكي الرجال وبكى عليها الرجال
بقلم د / أحمد البراء بن عمر الأميري


في سجل ذكرياتي مواقف عديدة كان للمرأة دور البطولة فيها ، وبعض هذه المواقف لا يزال حاضراً في ذهني حتى كأنه واقع اللحظة .
منها موقف عايشته شخصياً مع الأخت بنان بنت علي الطنطاوي - رحمها الله - بعد ما اعتقل زوجها ،
إنه موقف جعلني أفهم معنى المقولة الشهيرة : وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة !
ففي عام 1964م ، كنتُ طالباً في جامعة دمشق أَدْرُسُ في كُلّيتيْ الشريعة والآداب ( قسم اللغة الإنجليزية ) ، فذهبت لزيارة والدي الشاعر الكبير الراحل عمر بهاء الدين الأميري في بيروت التي كان يمضي فيها بعض الوقت ، كان بيت الأستاذ عصام العطار –المراقب العام للإخوان المسلمين آنذاك – قريباً من البيت الذي استأجره أبي، وكانا يلتقيان دائماً .
كان جمال عبد الناصر حاكماً لمصر آنذاك ، وكانت سلطتُه وشعبيّتهُ في لبنان كبيرتين ، وعِداؤه للإخوان المسلمين ، وسَجْنُه لهم ، وتعذيبُهم ، وقتلُهم ، وإعدام قياداتهم معروف .

وكان للسفارة المصرية ، واستخباراتها صولةٌ وجولة في لبنان ، فتمَّ اعتقال والدي أمام عينيَّ ، واعتقالُ الأستاذ عصام العطار في نفس الوقت .

مكثتُ في بيروت أياما ، كان خلالها والدي والأستاذ العطار في السّجن ، وكنتُ في صحبة زوجته السيدة بنان الطنطاوي وهي من مواليد عام 1941م وكان عمرها - آنذاك - ثلاثاً وعشرين سنة ، كنتُ معها طوال الوقت ؛ لأنّ لنا مصلحةً واحدة ؛ أذهب معها لمقابلة المحامين ، وبعض الشخصيات من أجل الإفراج عن المعتقليْن ومنهم زوجها الأستاذ عصام العطار .

في خلال هذه الأيام رأيتُ من قوة شخصيّة السيدة بنان ، ولباقتها ، وحُسْن تصرُّفها ، وحكمةِ حديثها ، ما يدعو إلى الإعجاب .

استطعنا أخذَ موعدٍ لزيارة والدي وزوجِها في السّجن لبضع دقائق .

لم يزل المشهد ماثلاً أمام عينيّ : كنتُ أقف على يسار الأخت بنان أمام والدي ، وهي أمام زوجها ، وكلاهما خلف شبك الحديد داخل السجن ، كان والدي يُطمئنُني ويعطيني بعض النصائح ، فسمعَ وسمعتُ
الأخت بنان تقول لزوجها : "يا عصام ، أنا والأولاد بخير وسلامة ، فلا تقلقْ علينا ، كنْ قوياً كما عرفتُكَ دائماً ، ولا تُرِ هؤلاء الأنذالَ من نفسك إلا القوة والصلابة واستعلاءَ الحق على الباطل .
" فبكى أبي عندما سمع هذه الكلمات من شابةٍ في مقتبل العمر، عمرها ثلاث وعشرون سنة فقط , كان قلقُ زوجها عليها وعلى أسرته ، أكبر من قلقها عليه وهو في السّجن !
وبعد خروجنا من السجن وركوب السيارة أجهشت بنانُ بالبكاء ، وعلمت أنّها إنّما كانت تتجلّد وتتصبّر ؛ لتري زوجها من نفسها خيرا ، ولتربط على قلبه في موقف هو أشدّ ما يكون حاجة إلى من يربط على قلبه لا من يمزّقه .
ولم أر الأخت بنان الطنطاوي فيما بعد ، ولم أسمع عنها إلاّ نبأ اغتيالها ، واستشهادها - إن شاء الله - عام 1981م ، في ألمانيا ، عندما جاءت مجموعة من المجرمين القتلة ، تريد قتل زوجها ، الذي لم يكن في الدار ، فلما فتحتْ الباب انصبّتْ عليها نيرانُ الكلاب ، في قصةٍ مُجرمة ، سمعتُ بعض تفاصيلها ، وليستْ هي المقصودة من كتابة هذه السطور .



زوجتي بنان علي الطنطاوي

هذي بعض الكلمات التي كتبها عنها زوجها في ذكرى وفاتها

بقلم الأستاذ عصام العطار


مضى في هذا اليوم 17-3-1981م ثمانية وعشرون عاماً على استشهاد زوجتي بنان علي الطنطاوي « أم أيمن » رحمها الله تعالى

ثمانيةٌ وعشرون عاماً مضت على غيابِ هذا الكوكبِ الذي أضاءَ حياتي وحياةَ أُسْرتي في أحلك ليالي الغُربة والتشرّد والخطر والمرض ، وأضاء لمن كان حولنا حيثما سَرَيْنا في الأرض .

ثمانية وعشرون عاماً مضت على فراق زوجتي وحبيبتي وصديقتي ورفيقة دربي ، وسَنَدي وعَوْني حيث لا سندَ ولا معينَ إلاّ الله

ثمانيةٌ وعشرون عاماً مضت على رحيل هذه المسلمة العظيمة والزوجة العظيمة والأُمّ العظيمة والإنسانة العظيمة .. لم تحمل في قلبها وفكرها هموم بلدها وأهلها وأخواتها وإخوتها فحسب ، بل حملت مع ذلك هموم عالمها العربيّ والإسلامي ، وهموم الإنسانية والإنسان أَنَّى كان هذا الإنسان ، وفاضت في قلبها الرحمة فشملت سائر المخلوقات ، وكم رأيتُها تبكي لمآسي ناس لا نعرفهم في بلاد لا نعرفها ، وكم سمعتها تُذكِّر في أحاديثها ودعوتها إلى تعارف الشعوب وتراحمها وتعاونها على الحق والعدل والخير ، بقول الله عزَّ وجلَّ لرسوله الكريم : ) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ( [الأنبياء : 107] وقول الرسول r : « الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ تبارك وتعالى . ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ الرَّحِمُ ... » رواه الترمذي وأبو داود وأحمد ، وقول الله تبارك وتعالى : ) ... وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ... ( [المائدة : 2]

لم تكن الأخوةُ الإنسانيةُ والمسؤوليةُ الإنسانيةُ وعالميةُ الإسلام عندها مجرَّد شعارات أو كلمات ؛ ولكنها كانت حقيقةً راسخةً مُؤَثّرةً في الفكر والشعور ، والضمير والسلوك


وكانت -رحمها الله- تعرفني وتفهمني وتُحِسُّ بي إحساساً عجيباً كأنها تسكن في داخلي ، وتعيش معي مشاعري وخواطري ، ولو لم أنبس ببنتِ شفة . كانت تستطيع بنظرةٍ واحدة خاطفة أن تستشفّ ما يدور في خَلَدي ، وأن تعرف -مهما كنتُ عادِيَّ الْمَسْلَك ، هادئَ المظهر -إن كنت في أعماق نفسي حزيناً أو مسروراً ، مشغول البال أو مطمئن النفس ، وكانت وهي شريكةُ حياتي كلِّها تستطيع أن تُقَدّر دون سؤال أسبابَ ما أنطوي عليه من سرور أو حزن ، ومن طمأنينة أو قلق ، وما كان أقدرَها عند ذلك على أن تحيطني من محبتها وفهمها ومشاركتها الوجدانية العميقة الصادقة في ظروفنا المختلفة الصعبة بكلّ ما يُسَرّي عن النفس ، ويُجدّدُ العزمَ والنشاط ، ويعين على متابعة الطريق مهما كانت المصاعب والظروف


كانت -رحمها الله- قادرة رغم حساسيتها الشديدة ، وتأثُّرِها الشديد ، بكلّ ما يعرض لنا ، أو ينـزل بنا ، قادرةً على أن تَسْتَنْبِتَ أزاهيرَ سُرورٍ في أراضي الأحزان ، وتُوَفِّرَ لنا لحظاتِ مُتَعٍ بريئةٍ في زحمة الواجبات والأعمال ، وأن تُحَوِّلَ غُرَفاً حقيرةً سكناها إلى ما هو أحلى من قصور ، وأن تجعلَ سعادةً غريبةً تسكنُ معنا وتعيش بيننا حيثُ سَكَنّا من البلدان ، وكثيراً ما شعرنا في غُرَفِنا الحقيرة بهذه السعادة الغامرة ، وبِنَشْوَةِ الاستعلاءِ على الشدائدِ والمغرياتِ في سبيل الله عزَّ وجلَّ ، فردَّدْنا أو أنشدنا -بنان وأنا وطفلانا الصغيران : هادية وأيمن- فُرادَى ومُجتمعين هذه الأبياتَ القديمة الرائعة التي كانت وما تزال تهزّنا هزّاً ، والتي كانت تُعَبّرُ وما تزال تُعَبّرُ عنّا وعن حالِنا وخيارِنا الجميل النبيل الأليم :

فإن تكُنِ الأيّامُ فينا تَبَدَّلَتْ *** بِبُؤْسَى ونُعْمَى والحوادثُ تفعَلُ
فَمَا لَيّنَتْ مِنّا قناةً صَليبَةً*** وَلا ذَلَّلَتْنا لِلَّتي لَيْسَ تَجْمُلُ
ولكنْ رَحَلْناها نُفوساً كَريمةً *** تُحَمَّلُ ما لا يُسْتطاعُ فَتَحْمِلُ

يتبع



نعم ، لم نكن دائماً في طباعنا ورغباتنا وآرائنا وخياراتنا في أمور الحياة المختلفة صورةً واحدةً لا نختلفُ أبداً في حُبٍّ أو كُرْه ، وفي تقويم أو حُكْم ، وفي رَأيٍ أو خيار .. ولكن لم يكن يطولُ أو يشتدُّ بيننا خِلافٌ إن حصل -ونَدَرَ ما كان يحصل- بيننا خلاف ، فالبواعثُ في حياتنا واحدة ، والمنطلقاتُ واحدة ، والغايةُ واحدة ، والأهدافُ واحدة ، والمقاييسُ والموازينُ واحدة ، والحبُّ العميقُ المتجدِّدُ لا يَنْضَب ولا يضعف ، والإعجابُ والتقديرُ والعرفانُ يزدادُ يوماً بعد يوم

كانت إذا أحَسّتْ في نفسها ، أو أحَسّتْ منّي في حِوارِنا ونقاشِنا في بعض الحالاتِ النادرةِ بَوَادِرَ زَعَلٍ أو غضب لم تسمح لهذا الحوار والنقاش أن يستمرَّ ويشتدّ ، وانفردتْ بنفسها ساعةً تطولُ أو تقصر تقرأ القرآن -كما تَعَوَّدَتْ- بقلبها وعقلها ولسانها ودموعها .. ثم تنهض أَهْدَأَ ما تكونُ حالاً ، وأرضى ما تكونُ نفساً ، وأكثرَ ما تكونُ انشراحاً ونشاطاً .. « لِلّهِ هذه المرأةُ المسلمةُ ما كان أَوْثَقَ ارتباطَها بكتاب الله عزَّ وجلَّ ، كان القرآن العظيم حقيقةً لا كلاماً ولا وهماً ربيعَ قلبِها ، ونورَ صدرِها ، وجَلاءَ حُزنِها ، وذَهابَ همّها .. كان القرآن حياتها وباعِثَها ، ودليلَها وهاديها في مختلف مشاعرها ومواقفها وخطواتها ، وكان حِصْنَها الحصين ، وملجأها الأمين ، عندما كانت تُطْبِقُ علينا في بعض أيامنا الظلمات ، وتعصفُ حولَنا العواصف ، وتطرُقُ أبوابَنا المخاوفُ والمخاطر ، فلا يكونُ أحدٌ في الدنيا أكثرَ مها وهي تعتصم بالإيمانِ والقرآنِ طُمَأْنينةً وأمناً ، ولا قدرةً على الثبات والصبر ، وعلى تحدّي الطاغوتِ ولو ملأ بطغيانه الدنيا » .



قلت قبل قليل : كانت بنان -رحمها الله تعالى- إذا أحسّتْ في نفسها ، أو أحست منّي في حوارنا ونقاشنا بوادرَ زَعَلٍ أو غضب لم تسمح لهذا الحوار والنقاش أن يستمرّ ويشتدّ ، وانفردتْ بنفسها ساعةً تطولُ أو تقصر تقرأُ القرآن -كما تعَوّدتْ- بقلبها وعقلها ولسانها ودموعها .. ثم تنهض أهدأ ما تكونُ حالاً ، وأنعمَ ما تكون بالاً ، وأوفرَ ما تكونُ انشراحاً ونشاطاً ، ولا نستأنفُ ما كنّا فيه من حِوارٍ ونقاش ؛ ولكنها تكتبُ إليَّ قبلَ أن ينصرمَ النهارُ ، ويَنْسَدِلَ الظلامُ رسالةً فيها ما يشاءُ المحبون الصادقون من رِقّةٍ وعاطفةٍ وأناقةٍ وجمال .. رسالةً مِلْؤها الحبُّ والعرفانُ وشُكْرُ الله عزَّ وجلَّ على ما أنعم به علينا من الإيمان والطاعة والمحبة والسعادة ، ومن سائر النعم ، ثمّ تعرضُ عرضاً موضوعيّاً أميناً ما دار بيننا من حِوارٍ ونقاش ، وما اتفقنا عليه أو اختلفنا فيه ، وتشرحُ وجهةَ نظرِها بهدوء ووضوح واختصار ، ثم تترك في نهاية الرسالة الأمر إليّ أختار فيه ما أراه ، وأنا أختار عادةً في أمورنا الخاصة ما تختاره هي ، فإذا تعلّق الأمرُ بواجب من الواجبات ، أو بما يجرُّ نفعاً أو ضرراً لآخرين ، عاودنا الجلوس والحوار والنقاش بهدوء وانبساط واستيعاب ، وانتهينا فيه إلى اتفاق على ما نراه صواباً أو أقرب إلى الصواب
وكتابة الرسائل عند « أم أيمن » رحمها الله إلى زوجها عادةٌ من أرسخ العادات عندها وأجمل العادات وأنفع العادات ؛ فهي تكتب إليّ ونحن نعيش في بيت واحد ، ونتحدّثُ ما شئنا الحديثَ في أيِّ ساعةٍ من ساعات الليل والنهار في أيِّ أمرٍ من الأُمور كَبُرَ أو صَغُرَ بشغف وبعفوية وبساطة دون أيّ تكلّف أو حرج ؛ ولكنها مع ذلك تكتب إليّ .. تكتب لتعبّر بأسلوبٍ بليغ ساحر عن أعمق أعماق نفسها ، وعن أَدَقِّ أحاسِيسِها ومشاعرها .. عن محبتها الغامرة لزوجها وطفليها وأهلها .. عن حنينها الدائم للشامِ وأحبابِنا في الشام ومَدارجِ طفولتِنا وشبابِنا وذكرياتنا في الشام .. عن مآسي العرب والمسلمين والإنسانية والإنسان ، وعن همومهم ومآملهم في كلّ مكان .. وعن واجباتِنا الكبيرةِ الكبيرةِ التي يجب علينا أن ننهضَ بها ، ونكرّسَ لها حياتنا كلَّها حيثما كُنّا من الأرض
هذه الرسائل التي كتبتها بنان بقلبها وفكرها ، وأحاسيسها ومشاعرها ، وثقافتها وتجربتها ، وآمالها وأحلامها .. هذه الرسائل كنـزٌ إسلاميٌّ إنسانيٌّ أدبيٌّ لا يقدّر بثمن ؛ ولكنني أضعت هذا الكنـز وا أسفاه ، أضعتُه أو سُرِقَ مني مع ما ضاع أو سُرِقَ من أوراقيَ الأُخرى ، عندما فُرِضَ عليَّ فَرْضاً من سلطاتٍ ألمانية ألاّ أستقرّ في مكان ، فهناك -كما قالوا- قتلةٌ مسلّحون يقتفون أثري ، ويريدون قتلي ، فيجب أن يتغيّر عنواني وسَكَني باستمرار ..
قلت لهم :
- دعوني أُقْتَل فأنا لا أخافُ القتلَ ، ولا أرهبُ الموت ، ولا أُحَمِّلُكُم ولا أُحَمِّلُ أحداً غيري مسؤولية ما يصيبني
قالوا :
إنّ وجودك في مكانٍ دائم يُهَدِّدُ حياةَ غيرك من السكّان وينشُرُ القلقَ والفزع في الشارع الذي تسكن فيه ، ويصنع كذا وكذا وكذا من الأخطار والأضرار ، فلا بدّ لك -كما طلبنا- من تغيير عنوانك وسكنك باستمرار!
وجمعتُ أوراقاً مهمةً لي ، أثيرةً عندي ، ومن أهمّها رسائل أم أيمن القديمة والحديثة ، ووضعتُها مع المصحف الشريف في حقيبة خاصّة ، وأسلمت نفسي لقضاء الله وقدره
سَنَةٌ ونصفُ السنة ، لا يكادُ يستقرُّ جنبي في بلد أو سَكَن حتى يُقالَ لي : إرحلْ فقد عرف مكانك! إرحلْ .. إرحلْ .. إرحلْ ، وفي هذا الرحيل المتواصل في الصيف وفي الشتاء ، وفي الربيع والخريف ، بين مدنٍ وقُرىً ، وفنادقَ ومنازلَ منقطعة عن العمران ، يباعد بعضَها عن بعضٍ أحياناً مئاتُ الكيلومترات ، وأنا مُتعَبٌ مُرْهَقٌ مَريضٌ مَريض .. في هذا الرحيل المتواصل فُقدَتْ منّي -أو سُرِقت مني- أوراقي وفيها .. وفيها .. وفيها رسائِلُ أم أيمن رحمها الله ، وكلماتٌ من كلماتها ، فلم يبقَ لي إلاّ بعضُ رسائل وكلمات سبق نشرها أو نُسِخَ منها من قَبْلُ نُسَخٌ أُخرى





رد مع اقتباس
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 3 )
ام بنوتات
قلب طموح
رقم العضوية : 5251
تاريخ التسجيل : Jul 2009
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : مصر
عدد المشاركات : 2,169 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : ام بنوتات is on a distinguished road
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي رد: سلسلة هل نعرفهم؟ متجدد ان شاء الله

كُتب : [ 09 - 10 - 10 - 06:16 PM ]

معلومات قيمه

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .





رد مع اقتباس
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 4 )
أملى الجنان
رقم العضوية : 5383
تاريخ التسجيل : Jul 2009
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : مصر
عدد المشاركات : 2,551 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 12
قوة الترشيح : أملى الجنان is on a distinguished road
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي رد: سلسلة هل نعرفهم؟ متجدد ان شاء الله

كُتب : [ 09 - 10 - 10 - 08:20 PM ]

بارك الله فيكِ

لله درهم

يا الله .. كم نحن مقصرون فى حق ديننا .. بل والله فى حق انفسنا اولا

اللهم وفقنا لما تحب وترضى





رد مع اقتباس
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 5 )
أم عمرو
رقم العضوية : 572
تاريخ التسجيل : Mar 2008
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : مصر
عدد المشاركات : 6,651 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 42
قوة الترشيح : أم عمرو is on a distinguished road
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي رد: سلسلة هل نعرفهم؟ متجدد ان شاء الله

كُتب : [ 09 - 10 - 10 - 08:54 PM ]

بارك الله فيك على هذا الموضوع المتميز شكلآ وموضوعآ
وسيتم تثبيت الموضوع لمتابعته





رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
متجدد, الله, سلسلة, نعرفهم؟

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيعى إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيعى الرد على المواضيع
لا تستطيعى إرفاق ملفات
لا تستطيعى تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:07 PM.


   الدرر السنية

بحث عن:



 
Powered by vBulletin
.Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd