الاستخارة غيرت حياتى باسورد أنا وطفلى أنت فى مرأة الأخرين تمنيت تعلم العمرة بالصور حملة التضامن مع غزة



حملات دعويه لأخوات إيمان القلوب يتم هنا وضع جميع الحملات الخاصة بالمنتدى



إضافة رد
 
أدوات الموضوع
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 81 )
باحثة عن الحق
رقم العضوية : 7507
تاريخ التسجيل : Oct 2010
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : اسأل الله الفردوس الاعلى في الجنة
عدد المشاركات : 12,772 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 2516
قوة الترشيح : باحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond repute
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي رد: حملة قبل أن تغلق الأبواب

كُتب : [ 21 - 11 - 10 - 01:02 AM ]





وكلما ازداد إيمان الرجل ازداد برُّه لوالديه فعن أبي أمامة أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يلي حمل أمه إلى المرفق وينزلها عنه، وكانت مكفوفة. وعن سفيان الثوري، قال: كان ابن الحنفية يغسل رأس أمه بالخطمى ويمشطها ويخضبها.

وعن أنس بن النضر الأشجعي: استقت أم ابن مسعود ماء في بعض الليالي، فذهب فجاءها بشربة، فوجدها قد ذهب بـها النوم، فثبت بالشربة عند رأسها حتى أصبح.

والبر فرض علـى الابن والابنة وهو للوالدين المسلمين والكافرين وأجره سواء، عن مكحول، قال: قدم وفد الأشعرين علـى رسول الله ، فقال: «أفيكم وجره؟» قالوا: نعم. قال: «فإن الله تعالى أدخلها الجنة ببر والدتها وهي مشركة - يعني الأم - أُغير علـى حيها، فاحتملت أمها تشتد بـها في الرمضاء، فإذا احترقت قدماها جلست وأجلست أمها في حجرها، وأظلتها في الشمس، فإذا استراحت حملتها».


ويكفي للابن البار أن تُذكَر فعاله إذا توفاه الله قبل والديه ففي كل مرة يذكر والده أو أمه فِعاله بنفسٍ راضية عنه يتنزل رضوان الله عليه. والأب إذا ذكر ابنه البار يكون وصفه لفعاله أبلغ من مديحه. عن عمر ابن ذر أنه لما مات ابنه قيل له: كيف كان بره بك؟ قال: ما مشى معي نهاراً إلا كان خلفي، ولا ليلاً إلا كان أمامي، ولا رقد علـى سطح أنا تحته.

شرط المؤمن أن ينصح غيره بالخير والفرض الشرعي إذا علم منه جهلاً أو خطأ. عن أبي غسان الضبي أنه خرج يمشي بظهر الحرة وأبوه يمشي خلفه، فلحقه أبو هريرة، فقال: من هذا الذي يمشي خلفك؟ قلت: أبي. قال: أخطأت الحق ولم توافق السنة، لا تمشي بين يدي أبيك، ولكن امش خلفه أو عن يمينه. ولا تدع أحداً يقطع بينك وبينه، ولا تأخذ عرقاً - أي لحماً مختلطاً بعظم - نظر إليه أبوك، فلعله قد اشتهاه، ولا تحد النظر إلى أبيك، ولا تقعد حتى يقعد، ولا تنم حتى ينام. وعن أبي هريرة أنه أبصر رجلين، فقال لأحدهما: هذا منك؟ قال: أبي. قال: لا تسمه باسمه ولا تمشي أمامه، ولا تجلس قبله.

كتب الإمام ابن الجوزي في كيفية البر بالوالدين فقال: برهما يكون بطاعتهما فيما يأمران به ما لم يكن بمحظور، وتقديم أمرهما علـى فعل النافلة، والاجتناب لما نهيا عنه، والإنفاق عليهما، والتوخي لشهواتهما، والمبالغة في خدمتهما، واستعمال الأدب والهيبة لهما، فلا يرفع الولد صوته، ولا يحدق إليهما، ولا يدعوهما باسمهما، ويمشي وراءهما، ويصبر علـى ما يكره مما يصدر عنهما.

جاء رجل فطلب البيعة علـى الهجرة من رسول الله ، وقال: جئت أبايعك علـى الهجرة وتركت أبويَّ يبكيان. قال رسول الله : «ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما».

الهجرة كان فرضها الرسول علـى المسلمين بالخروج من مكة ولكن الرسول r منعها علـى الرجل الذي أراد تلبيتها ووالداه كارهان لذلك. فدل علـى أن إرضاء الوالدين أوجب من تلبية فرض الهجرة آنذاك. ودل علـى أن طاعتهما يجب أن تتم بإدخال السرور إلى قلبيهما.

ورُوي أن النبي r قال: «من أصبح مُرضياً لوالديه أصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة. ومن أمسى مثل ذلك. وإن كان واحداً فواحد». قيل: وإن ظلماه؟ قال: «وإن ظلماهُ، وإن ظلماهُ، وإن ظلماهُ» قال الشيخ طاهر الفتَّني بمعنى «وإن ظلماه»: وإن ظلماه في الأمور الدنيوية دون الأخروية. انتهى. ومعنى «مُرضياً لوالديه» أن يطيعهما وهما راضيان بتنفيذه لأمرهما وهو لا يتحقق إلا بطاعتهما بنفس راضية وإتقان عمل الطاعة. فإن أطاع الولد أمر أبيه أو أمه بسوء خلق أو تعاسة ظاهرة فإن عيش الأبوين يتنغَّص ولا يحصل الرضا القلبي مع التنغُّص.

روى ابن المسيِّب، قال: صعد النبيُّ r المنبر. فلما وضع رجله علـى الدرجة الأولى قال: «آمين». ثم وضع رجله علـى الثانية فقال: «آمين». ثم وضع رجله علـى الثالثة فقال: «آمين». فلما فرغ من خطبته ذكروا له فقال: «إن جبريل عليه السلام استقبلني حين وضعتُ رجلي علـى الدَّرَجَةِ الأولى فقال: من أدرك أبويه أو أحدَهُما فلم يُغفر له فأبعدَهُ اللَّهُ - قل: آمين. فقلت: آمين. فلما صَعِدْتُ الثانيةَ قال: من أدركَ شهرَ رمضانَ فلم يُغفر له فأبعدهُ اللَّهُ - قل: آمين. فقلت: آمين. فلما صعدتُ الثالثةَ قال: ومن ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فلم يُصَلِّ عليكَ فأبعدَهُ اللَّهُ - قل: آمين. فقلت: آمين».

قبول الله صيام شهر رمضان يعني غفران ذنوب ما بين رمضان ورمضاناً آخر وإرضاء الوالدين وبرهما في حسن طاعتهما كصيام مقبول لرمضان يغفر الذنوب كلها إلا ما شاء الله من الكبائر. ومعنى «فلم يغفر له» أي لم يكن عملهُ في طاعة والديه عملٌ يُرضي والديه فهذا إما عاصٍ لهما أو مقصِّر في طاعتهما أو غير بارٍّ في طاعته لهما ومعنى بارٌّ في طاعتهما أن يطيعهما طاعة يرضيانها هم وليس مجرد طاعة.

ورضا الوالدين يظهر من الوالدين بالدعاء لابنهما بالخير والمغفرة. لما مات ذرّ - وكان من الأولياء - قال أبوه عمر بن ذرّ: اللهم إني قد غفرت له ما قصَّر فيه واجب حقي فاغفر له مما قصر فيه من واجب حقك. فقيل له: كيف كانت عشرته معك. قال: ما مشى معي قط من ليل إلا كان أمامي، ولا مشى معي في نهار إلا كان ورائي، ولا ارتقى قط سقفاً كنت تحته.

إرضاء الوالدين يجب أن يكون في تلبية أمر الوالدين وفي عمل ذاتي يؤديه الابن دون طلب الأبوين يظهر به احترامه ومخافة إزعاج والديه فيما يمكن أن يُزعجهما. رُوي عن بعض ولد زيد بن الحسن أنه كان لا يأكل مع أمه علـى مائدة، فقيل له في ذلك. فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها. انتهى. نعلم أن ليس في هذا عقوقاً ولكنه ورع زائد ومغالاة في إرضاء الوالدين.

ومن البر الدعاء للوالدين بالخير والمغفرة في حياتهم وفي مماتهم، كان عروة بن الزبير يقول في صلاته وهو ساجد: اللهم اغفر للزبير بن العوام، وأسماء بنت أبي بكر. أي أبوه وأمه. وكذا كان الفقيه أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب يقول عقيب صلاته: اللهم اغفر لأبوي، ولأبي حنيفة.
وقال عامر بن عبد الله بن الزبير: مات أبي، فما سألت الله حوْلاً إلا العفو عنه. وقال بعض العلماء: من وقَّر أباه طال عمره، ومن وقَّر أمه رأى ما يسرُّه، ومن أحدَّ النظر إلى أبويه عقهما.

وكان حَيْوَةَ بنُ شُرَيْحٍ، وهو أحد أئمة المسلمين - يقعد في حلقته يعلم الناس، فتقول له أمه: قم يا حيوة، فألقِ الشعير للدجاج. فيقوم ويترك التعليم. فقد كان فقيهاً مؤمناً مطيعاً لأمر ربه عالماً أن من أراد الجنة عليه أن يطيع أمر أمه وأبيه.

وقال النبي لقمان عليه السلام لابنه يوصيه: يا بني، من أرضى والديه، فقد أرضى الرحمن، ومن أسخطهما فقد أسخط الرحمن، يا بني: إنما الوالدان باب من أبواب الجنة، فإن رضيا مضيت إلى الجنات، وإن سخطا حُجبت.

عن معاذ بن جبل، قال: أوصاني رسول الله r، فقال: «ولا تعقَّنَّ والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك».

نفهم من هذا الحديث أن طاعة الوالدين في كل أمر إما واجبة، طبعاً في غير معصية، أو من باب الأولى في أصعب وأهم أمور الحياة: الزوجة والمال. وأن طاعتهما في طلاق الزوجة أو إنفاق المال بحسب طلبهما هو برُّ من جنس بر إسماعيل وإبراهيم عليهما صلاة الله وسلامه وحق الأبوَّة والأمومة في أعز الأمور جعله الله مندوباً أي فيه ثواب زائد بعد نوال ثواب إتيان الفرض. وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم هذا الأمر ومارسوه عملياً في حياتهم مع أبناءهم وصادف أن في الحالتين كان الأبناء متعلقين أشد التعلق بزوجاتهم ولم يروا بأساً منهما، ومع ذلك استجاباً لأمر الأب بفراق الزوجة الحبيبة المؤمنة المخلصة. ويشاء الله أن تكون القضيتين مع كبيري الصحابة رضوان الله عليهم أبي بكر وعمر ومع ابنيهما الصحابيين المؤمنين عبد الله بن أبي بكر وهو أكبر أبناء الصديق وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين وأرضاهم يوم الدين.

روى الزبير بن بكار. أن عبد الله بن أبي بكر الصديق كان أكبر ولده، وهو الذي كان يختلف إلى النبي r وأبيه في الغار، أصابه سهم يوم الطائف فماطله حتى مات بالمدينة شهيداً بعد وفاة النبي r، وكانت تحته عاتكة بنتُ زيد بن عمرو بن نفيل، وكان بـها معجباً، وكانت شغلته عن مغازيه، فأمره أبوه بطلاقها لذلك، فقال فيها [في الطويل]:

يقولون: طَلِّقها، وأَصْبحْ مَكَانَها 000 مُقيماً، تُمَنِّي النَّفْسَ أحلامَ نائِمِ
وإنَّ فِراقي أهلَ بيتٍ حَبَبْتُهُم 000 على كُرْهِ مِنِّي لَإِحْدَى العَظَائِمِ
أراني وأَهْلي كالعُجولِ تروَّحَتْ 000 إلى بَوِّها قَبْلَ العِشَارِ الدَّوائِم


ِ فعزم عليه أبو بكر رضي الله عنه حتى طلقها، ثم أتبعتها نفسه، فسمعه أبو بكر ينشد [من الطويل]:

ولم أر مثلي طلق اليوم مثلها 000 ولا مثلها في غير جرم يطلق
لها خلق جزل ورأي ومنصب 000 وخلق سوي ما يعاب ومنطق

وقد ورد في الأغاني في بدل آخر شطر: وخلق مصون في حياءٍ ومصدق.


في هذا الوصف الذي يكاد يكون الوصف الكامل للمرأة الصالحة التي يتمناها كل مسلم يقول عبد الله بن أبي بكر (ولم أر مثلي طلق اليوم مثلها) أي إذا كان الاعتماد علـى رأيه وما يحبه فيما أباحه الله له، لا يرى أنه يمكن لمثله - من الدين ورجاحة العقل - أن يطلق زوجته بما هي عليه هذه الزوجة. (ولا مثلها في غير جرم يطلق) يصفها بما وصف به نفسه من التقوى والرجاحة وأنها من النساء السيدات النادرات فلا يمكن أن تترك امرأة مثلها إلا بجريمة لا تُحتمل من الرجل ويجعلها الشرع من الكبائر وهي عن الصغائر منزَّهة. وهذا الكلام يدل عن حيرة فيما آل إليه أمره بعد طلاقها. وهذا يدل أنه كان أحرص علـى التقيد بأمر الله في طاعة أبيه من البقاء مع امرأة صالحة يحبُّها وتُرضيه وهي خير كنوز الأرض كما جاء في الحديث عن المرأة الصالحة. ويعدِّد ما خسره بعد طلاقها فيقول: (لها خلق جزل ورأي ومنصب) الخلق الجزل الخلق السهل أي ليِّنةُ المعاشرة توافقه في كل أمر برضا وانشراح وهذا ما يجعل المرأة مصدراً للسرور والعيش معها في دَفَقٍ من الحبور والانشراح والإقبال عليها ومحبة البقاء بقربـها. ولذلك نقول أنها أَفترت همته في الغزو مع الجيوش لما كانت تُوافِقَهُ في رِفقته وتهوِّن عليه أمور ملازمتها ومعاشرتها. (ورأي ومنصب) يذكر رجاحة عقلها ولا يذكر مثله رضي الله عنه رجاحة عقل امرأة إلا إذا كانت ذات تقوى ودين نادر عند النساء. ولما كان صاحب الرأي الراجح صاحب سلطان في الناس أي ذات سيادة علـى النساء ومقدمة بسبب رجاحة عقلها فصاحب الرأي السديد له تأثير في الناس، مسموع الكلمة ومطاع وكل مسموع مطاع سيد صاحب منصب أي مكانته أرفع من غيره. (وخلق سوي ما يعاب ومنطق) خلق سوي سمحة الخلق لا تغضب ولا تثور والغضب أكبر شرك للشيطان وسماحة الخلق صحراء بين المؤمن والشيطان يُبعده الله بـها عن المؤمن فمتى يقول فيها (وخلق سوي) بعد قوله (ولها خلق جزل) فهذا معناه أنه وصف بالأول معايشتها له وسهولة انقيادها وعذوبة طاعتها لله في طاعته وهو ما أمر به الله في أحاديث عن الرسول r، وفي الخلق السوي صار معناه في طاعتها لله وإبعادها للشيطان من التحكم بتصرفاتها فإن قالت فتقول حقاً وإن تصرفت فذاك بعدالة، فليس منها ظلم ولا جفاء وليس منها كدر وتنغيص فهي علـى الصراط المستقيم في نطقها وسلوكها لا يسمح بأي مأخذ عليها، فلا يمكن الشطط منها ولهذا لا يمكن لومها. (ومنطق) ذات لفظ جميل لا نبرة ولا فظاظة تنتقي عباراتها انتقاء. ولا يمدح إنسان بمنطقة إلا إذا كان كذلك.

العبرة في هذين البيتين أنها كانت خالية من العيوب التي يُعذر فيها الرجل في طلاق امرأته. ومع هذا فقد استجاب عبد الله بن أبي بكر الصديق لأمر أبيه في طلاق امرأته فطلقها وإن كان يشعر أن في ذلك ظلمٌ لها. فقد كان يعلم بحديث رسول الله r: «لا تعق والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك» وإن كانت هذه صيغة ترغيب لا فرض.

وكان تنفيذ الحكم الشرعي أحبُّ إلى قلبه من مشاعره واتباع هواه وكذا حال المؤمنين في كل زمان. ولكن الصديق أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه رقَّ له وسمح له بإعادتها زوجة له، فارتجعها، ثم استشهد بعد ذلك فقالت ترثيه: [من الطويل] - نذكره لما فيه من بيان لصفاته رضي الله عنه ولما كانت زوجته تعلم منه ولما يعبِّر عن وفائها له مما يبيِّن سبب شدة أمر طلاقها عليه، قالت:

فآلَيْتُ لا تَنْفَكُّ عيني حزينة 000 عليكَ، ولا يَنْفَكُّ جِلْدِيَ أَغْبرا
فَلِلَّهِ عَيْناً، مَنْ رَأَى مِثْلُهُ فَتىً 000 أَعفَّ وأَكْفَأَ للأمورِ، وأَصْبَرا
إذا شُرِّعت فيه الأسِنَّةُ خَاضَها 000 إلى المَوْتِ، حتَّى يَتْرُكَ الرُّمْحَ أَحْمَرا

ولِما كانت عليه فقد تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعده، فطوبى لها.

الحادثة الثانية مع الصحابي الثاني في الجلال والقدر عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وأرضاهما.
قال أحمد: حدثني يحيى، عن ابن أبي ذؤب، عن خاله الحارث، عن ضمرة، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: كانت تحتي امرأة كان عمر يكرهها، فقال: طلقها، فأبيت. فأتى عمر النبيَّ r، فقال لي: «أطع أباك». ومعنى أطع أباك في هذا الموضع: طلقها. وفي تمام القصة أن عبد الله رضي الله عنه طلقها استجابة لطاعة الرسول r وحكمه في واقعته وليس لأنها فرض.

وفي هذا الموضوع حديث آخر عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله r: «لا تعصِ والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج منها». أصعب أمر وأشقه علـى النفس في هذه الدنيا الفانية هو أن يخرج المرء من دنياه. ومعنى الخروج من الدنيا أن يمتنع المرء عن الملذات التي أباحها الله فيها، من مال وسلطان ونساء مباهج لا تعد. ومع هذا فإن أمر الأبوين بالخروج من أي لذة من ملذات الحياة الدنيا أمر مندوب يزيد في ثواب الأولاد. وإذا علمنا فوائد ذلك علـى الأولاد هان الأمر علـى ما يبدو فيه من شدة وقسوة، وأدركنا رحمة الله علـى الناس في هذا الحكم. أولاً نقول بعون الله أن في ذلك حفظٌ للدين وللأولاد من الضياع في تقصيرهم في القيام بأعباء الدين. إن العائلة قلعة الله في الأرض وهي قلعة الإسلام حصنها الله ورسوله بأحكام شرعية لاستمرار وجودها وأوكل أمورها وسياستها للرجل الزوج والأب. أوكل سبحانه للرجل الزوج أمر سياسة زوجه ومنعها من الخروج علـى الدين فرسم لها حدوداً معينة واضحة تضبط سلوكها في اللفظ والفعل بكل أمر. فحفظ الله بذلك العائلة من انجراف المرأة العاطفي في حالات معينة بمنعها من التصرف، ومنعها من القرار خوف الانزلاق بأن أمرها بطاعة زوجها. هذه كانت أحكام بداية مسيرة تأسيس الكيان العائلي. وفي مسيرة إكمال نمو العائلة وتفريعها كان الدور مشتركاً للرجل الزوج والمرأة الزوجة وإن كانت لزوجها تبقى مطيعة ولكنها من أولادها مطاعة كطاعتهم لزوجها ويرى بعض الفقهاء أن لها طاعة أوجب، لا نراها نحن حتى ولا من قبيل التخمين أو التمني ولكن هذا ليس موضوعنا الآن. إن الله أوكل سياسة المرأة إلى الزوج لأنه أشد في إقامة حدود الله في الحياة من المرأة التي اختصها الله بليونة.. فضمن بذلك إقامة الحكم الشرعي في مرحلة العائلة الأولى، حيث يكون من المرجح أن إيمان المرأة قويت شكيمته واستحكم في النفس، ومواجهة أعباء المسؤولية كفيلة بشحذ العقول والاعتماد علـى النفس في إقامة حكم الله في موضوعنا في تربية الأولاد. لقد أولى الله للزوجة الأم هذه المهمة وهذه المسؤولية، إرضاع الأولاد وحضنهم مسؤولية ومهمة الأم الأساسية في الحياة موازية لطاعتها زوجها. فهي تغرس الحب والوفاء والصدق والطاعة والحلال والحرام في نفوسهم حتى إذا اكتملت أجسادهم تولى الزوج الأب هذه المسؤولية بمشاركة زوجه له. فدور الأبوين في تثقيف الأولاد ثقافة إسلامية وتركيز أفكار الإسلام دور أساسـي للرجل والمرأة في رعاية أولادهم ليس في أمور الحياة الآنية بل لتثبيتهم للسير في الطريق التي رسمها النبي محمد r لكل مسلم ومسلمة. وهذا، لعمري أهم إنجاز في الحياة لأي أب أو أم وهو أصعب مسؤوليات الحياة علـى الإطلاق. للنجاح في هذا الدور أمر الله الأولاد بتسهيل مهمة آبائهم وأمهاتهم في وضعهم علـى الصراط المستقيم فأمر الأولاد كافة بطاعة آبائهم كافة لغايتين، الغاية الأولى من أجل تناقل أفكار الإسلام ومفاهيمه بمناخ يسوده الوئام والوفاق وطريقة واضحة لتوارث هذه الأفكار من دون عقد وعقبات نفسية. فَأَمْرُ طاعةِ الأبوين أمرٌ حَسَمَ أي لبس أو إبـهام في إخضاع الأولاد لحكم الله بفرض طاعتهم لآبائهم في غير معصية، لأن الأصل في هذا الأمر منع الأولاد من مخالفة حكم شرع الله.

الغاية الثانية: جاء عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله r: «برُّوا آباءَكُمْ تبرَّكُمْ أبناؤُكُم، وعفّوا عن النساء تعفّ نساؤكم». لما كان البر جماع الخير في الحياة الدنيا والحياة الأبدية بعد مرحلة الموت وأنزل الله دين الإسلام لخير البشر في الدنيا والآخرة فقد كان من الطبيعي أن يكون البر خيراً يتناقله المؤمنون ويحرصون أشد الحرص علـى توارثه بين الآباء والأبناء. ولأن الرجال الأبرار يخصهم الرحمن بعنايته فقد جعله لازماً لكل من بَرَّ أن يُبَرَّ. فالآباء الذين برُّوا آباءهم أي أحسنوا طاعتهم وأحسنوا معاملتهم وأحسنوا مخاطبتهم يوفيهم الله سبحانه جزاء عملهم في الدنيا قبل الآخرة ويجزيهم ببرِّ أبناءهم كما برُّوا آباءهم وفي هذا نعمة وفضل من الله تعالى علـى عباده الصالحين. فبرُّ الأبناء من أكبر نِعَمِ الله علـى الأب والأم، فهو وحده الذي يُدخل الرضا والسرور والبهجة إلى قُلوب الآباء والأمهات. وهو وحده الذي يُريده الآباء من أبناءهم فمال الدنيا كله لا يُسعد أبٌ أو أمٌ إن كان ابنهما عاصياً عاقاً. فالآباء يصيرون - في معظم الأحيان - في حاجة إلى من يعتني بـهم دون تذمر ولا مقابل، وحده الابن المؤمن البار يستطيع ذلك. وقد يصيرون في عجز عن القيام بأعباء الحياة منفردين، وحده الابن المؤمن البار يستطيع مساعدتهم لإكمال حياتهم بـهناء واطمئنان. فهو دَيْنٌ يرثه كل ابن عليه تأديته لأبيه. وإذا كان الدين المادي بين الناس في الحياة الدنيا ينتقل معهم إلى يوم الحساب ليسدَّد من المدين عنوةً فيأخذ الله من حسناته ويعطيها إلى الدائن حتى يرضى فإن لم تكف حسنات المدين أخذ سبحانه من سيئات الدائن ووضعها علـى المدين حتى يرضى الدائن بحقه، فكيف دَيْنُ البرِّ الذي استودعه الله عهداً في كل ابن وابنة إذا لم يؤديا حقه؟ دَيْنُ الناس المادي ليس فرضاً من الله بل عملاً يستحدثه الناس فيما بينهم جعله الله حقاً دائماً بينهم يُستوفى بالقوة يوم الحساب فكيف بالدين فرضه الله علـى عباده ليؤدّوه في الدنيا، وإذا لم يوفّوه فكيف يستوفيه الله يوم الحساب! لا يمكن أن يُستوفى كما يُستوفى دَيْنُ الناس المادي لأن ذلك مستحدث بينهم بإرادتهم وهذا دَيْنٌ مفروض من الله وهو ما يؤدي إلى الاستنتاج أن استيفاءه لا يكون بأخذ حسنات العاق وإعطائها لوالديه ولا بأخذ سيئاتِ الآباء والأمهات وجعلها في ميزان العاق بل لا بد من غير جنس وإلى غير نتيجة. جنس عقاب عدم وفاء الأبناء بدين الآباء في الحياة الدنيا عذاب النار ونتيجته إيصاد أبواب الجنة في وجهه. ودين الأبناء للآباء لا يمكن إيفاءه مهما عمل الابن والابنة في إرضاء وطاعة الوالدين، وسعيهما لإيفاء جميل صنع الآباء والأمهات، هو لإسقاط الإثم عنهما بعدم العق وللقيام بفرض الله بوجوب السعي الدائم لإيفاء الأبوين حقيهما في الطاعة والإرضاء ولفتح أبواب الجنة لهما لأنها لا تُفتح لعاق.

عن زرعة ابن إبراهيم، أن رجلاً أتى عمر رضي الله عنه، فقال: لي أماً بلغ بـها الكبر، وإنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري مطية لها، وأوضئها، وأصرف وجهي عنها، فهل أديت حقها؟ قال: لا. قال: أليس قد حملتها علـى ظهري، وحبست نفسي عليها؟ قال: إنها كانت تصنع ذلك بك، وهي تتمنَّى بقاءك، وأنت تتمنى فراقها.



عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «لا يجزي ولدٌ والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه».



ورأى عمر رضي الله عنه رجلاً يحمل أمه، وقد جعل لها مثل الحَوِيَّةُ - وهي كساء محشو حول سنام البعير أو مركب يهيأ للمرأة لتركبه - علـى ظهره، يطوف بـها حول البيت وهو يقول:
أحمل أمي وهي الحمالة ترضعني الدرة والعلالة فقال عمر: الآن أكون أدركت أمي، فوليت منها مثل ما وليت أحبُّ إلي من حُمُرِ النعم.
وقال رجل لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: حملت أمي علـى رقبتي من خراسان حتى قضيت بـها المناسك، أتراني جزيتها؟ قال: لا، ولا طلقة من طلقاتها.

اللهم بارك بكاتب الموضوع





رد مع اقتباس
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 82 )
باحثة عن الحق
رقم العضوية : 7507
تاريخ التسجيل : Oct 2010
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : اسأل الله الفردوس الاعلى في الجنة
عدد المشاركات : 12,772 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 2516
قوة الترشيح : باحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond repute
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي رد: حملة قبل أن تغلق الأبواب

كُتب : [ 22 - 11 - 10 - 12:17 PM ]



لابن مع أبيه وأمه
, لاستاذ و العالم الجليل يوسف بعدراني

عمل البرِّ بالأبوين غير عمل برِّ الأبوين. برُّ الأبوين يكون في طاعتهما طاعة يرضونها ومعاشرتهما معاشرة تُدخل السرور إلى قلبيهما، وينتهي هذا الفرض مع فراقهما الحياة الدنيا بموتهما. ويبقى عمل البرِّ بالوالدين بإبقاء ذكراهما الحسنة وإذكائها بين الناس وذلك بما ندب رسول الله  إلى عمله وهو المحافظة علـى صلة أصحاب ودِّ والديه. وهذا غير فرض دوام صلة ذوي أرحام الأبوين فهذا فرض دائم بحياة الأبوين وبعد وفاتهما. أما صلة أهل ود الأبوين فهو عمل مندوب وليس بفرض بل عمل يُؤجر فاعله ولا يعاقب تاركه، فهو مجال مفتوح للمؤمنين للاستزادة من الثواب والأجر من الله بالقيام بعمل معين بموجب نصٍّ شرعي ودليل شرعي. في البرِّ بالوالدين المندوب روى ابنُ عمر قال: قال رسول الله : «إن أبرَّ البرِّ صلة المرء أهل ودِّ أبيه بعد أن يولي». وقد كان ابن عمر رضي الله عنه يحرص علـى هذا فكان في طريق مكة، فلقيه أعرابي، فأعطاه حماراً يركبه، وعمامة كانت علـى رأسه. فقيل لابن عمر: إنهم أعراب يرضون بدون هذا. فقال: إن أباه كان ودّاً لعمر. وإني سمعت النبي ، يقول: «إن أبرَّ البرِّ صلةُ الرجلِ أهلَ ودِّ أبيه». وقال عمر بن الخطاب: من أراد أن يبرَّ أباه في قبره، فليصل إخوان أبيه من بعده وقال مصعب بن الزبير رضي الله عنه: أدركنا مشايخنا بالمدينة يقولون: المودَّة بين الآباء قرابةٌ بين الأبناء.
وقال أبو بردة: أتيت المدينة فأتاني ابن عمر. قال: أتدري لم أتيتك؟ قلت: لا. قال: إني سمعت النبي  يقول: «من أحبَّ أن يصل أباه في قبره، فليصل إخوان أبيه بعده». وقد كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وود، فأحببت أن أصل ذلك.
وفي البرِّ بالوالدين ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ  قال: «إذا مات ابن آدم إنقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٌ جارية، أو علمٌ يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له». فلعل الله يستجيب دعاء الولد الصالح فيكون بذلك مغفرةٌ من الله للأبوين.
ومن ذلك أيضاً عن السدي بن عبيد، عن أبيه، قال: قال رجل: يا رسول الله، هل بقي من برِّ أبوي شيء أبرُّهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم، أربع خصال: الدعاء لهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما». وقد أخرجه البيهقي عن أبي أسيد الساعدي بألفاظ مشابـهه وزاد فيه: فقال: ما أكثر هذا وأطيبه يا رسول الله. قال: «فاعمل به فإنه يصل إليهما».وفي تأكيد تحقق الأجر والثواب والمغفرة من دعاء الأولاد لآبائهم وأمهاتهم: عن أبي هريرة، أن رسول الله ، قال: «إن اللَّهَ عزَّ وجل ليرفعُ الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا ربِّ، أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفارِ وَلَدِكَ لَكَ».
حتى العمل الصالح يؤديه الابن استجابة لأمر الله يفيض الله ثوابه علـى الابن ووالديه وإن لم يكن في نية الولد ذلك. لأن الابن الصالح ثمرة مباشرة أو غير مباشرة لأبويه الذين رعياه وتعهداه. عن معاذ بن جبل، أن رسول الله ، قال: «من قرأ القرآن وعمل به ألبس الله والداه تاجاً يوم القيامة، ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا، فما ظنكم بمن عمل بـهذا».
ومثل هذا عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، مرفوعاً بلفظ: «من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به، أُلبس يوم القيامة تاجاً من نور، ضوءه مثل ضوء الشمس، ويُكسى والداه حلتان لا يقوم بـهما الدنيا، فيقولان: بما كسبنا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن».
وأخرج ابن زنجويه، والطبراني في الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان، عن معاذ مرفوعاً بلفظ: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه، ومات في جماعة، بعثه الله تعالى يوم القيامة مع السفرة والحكام. من قرأ القرآن وهو ينفلت منه، لا يدعه فله أجره مرتين، ومن كان حريصاً عليه ولا يستطيعه ولا يدعه بعثه الله يوم القيامة مع أشراف أهله، وفُضِّلوا علـى الخلائق كما فُضِّلت النسور علـى سائر الطير، وكما فُضِّلت عين في مرج علـى ما حولها، ثم ينادي مناد: أين الذين كانوا لا تلهيهم رعية الأنعام عن تلاوة كتابي؟ فيقومون، فيلبس أحدهم تاج الكرامة ويُعطى النور بيمينه، والخلد بشماله. فإن كان أبواه مسلمين كسبا خيراً من الدنيا وما فيها، فيقولان: أنَّى لنا هذه؟ فيقال: بما كان ولدكما يقرأ القرآن».
كما قراءة القرآن والدعاء لهما والابن الصالح يُفيض ثواب الله ورحمته علـى الأبوين كذلك الصدقة عن روحهما تزيد في رضوان الله عليهما دون أن ينقص أجر الابن المتصدِّق. عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ، أنه قال: «ما علـى أحَدِكُمْ إذا أراد أن يتصدَّق أن يجْعَلَها لوالديه إن كانا مسلمين، فيكونُ لوالديه أجرُهُما من غيْرِ أن ينتقص من أجرِهِ شيء».
عن ابن عباس، أن سعد بن عبادة رضي الله عنهما، توفيت أمه وهو غائب عنها. فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: «نعم». قال: فإني أشهدك أن حائطي صدقة عنها.
وعن أبي هريرة، أن رجلاً قال للنبي : يا رسول الله، إن أمي ماتت، فهل لها أجر إن تصدَّقت عنها؟ قال: «نعم».
أجر بر الوالدين في حياتهما لا يعادله أجر، ومع أن البر بالوالدين في مماتهما عمل مندوب إلا أن أجره يوازي أجر كمال القيام بفروض الإسلام الكبرى. فأجر القيام بفرض من الفروض أمر وأجر القيام بفرض من الفروض بكمال القيام أجر آخر يزيد عن الأجر الأول حتى يصل إلى نهاية الأجر الذي يتحقق فيه رضى نفس العبد الذي أتقن القيام بالفرض إلى حد الكمال. فبر الوالدين في مماتهما هو كمال حق فرض بر الوالدين في حياتهما. عن أبي كاهل، أن رسول الله ، قال: «إنه من بر والديه حيين وميتين كان علـى الله عز وجل أن يرضيه يوم القيامة». قلنا: كيف يبر والديه ميتين؟ قال: «يستغفر لهما، ولا يسب والدي أحد فيسب والديه».
هذا الحديث موضوعه إرضاء البار وليس تعداد أعمال البر بالوالدين في مماتهما فالتعداد الوارد فيه ليس فيه حصر ولكن ذكر بعضها كما جاء تعداد آخر في أحاديث سابقة. وبر الوالدين ليس تعداداً لأعمال وإن كانت تلك الأعمال المذكورة هي رؤوس أعمال البر، لأن البر معنى وطريقة سلوك فمن البر أعمالٌ كثيرة لم يذكرها الشرع ولكن تُقاس علـى ما ذكره وتقارن بـها ويُبنى عليها. إن بر الوالدين في الحياة فرض واجب ليس فيه خيار الفعل والترك وهو فرض عين علـى كل ابن مهما كثر عدد الأبناء، وبر الوالدين بعد موتهما مندوب لا يعذَّب المسلم علـى تركه. ولكن الشارع أغرى المسلم بأقصى ما يمكن أن يرغب ويأمل به يوم القيامة، والأصح والأدق أغراه بما يعجز المسلم عن التفكير به أو التجرؤ بالتفكير فيه. ذلك أن أقصى ما يستطيع المسلم أن يفكر فيه ويدعو الله لتحقيقه أن يغفر الله له ذنوبه يوم القيامة وأن يدخله جنته ولست أعلم أن أحداً يقول في دعائه: اللهم أرضني يوم القيامة. المؤمن يعلم أنه لا يدخل الجنة بما يقدمه من عمل بل بما يوفره عمله من رضوان ربه ومغفرته. فأنَّى للمؤمن أن يفكر بالدعاء أن يرضيه ربه. ولكن البار لوالديه في حياتهما ومماتهما يستحق إرضاء الله له. والإرضاء يستلزم مغفرة الذنوب أولاً حتى يستحق العبد الجنة فإذا استحقها ودخلها بغير حساب أعطاه الله من النعم ورفع درجته حتى يرضى العبد الذي استحق إرضاء الله له ببرِّه والديه حيين وميتين.
ونحن نهتدي من هذا الترغيب وهذا السخاء من الثواب علـى فعل البر بالوالدين ميتين بعد فعل برهما أحياء أن فعل البر بالوالدين ميتين في غاية الأهمية لإبقاء اللحمة والتواصل في المجتمع. فبرّ الوالدين ميتين يعتمد أساساً علـى دوام صلة ذوي أرحام الأبوين ويعتمد ثانياً علـى دوام صلة أهل ود الوالدين، أي أهل محبَّتهم. فدوام هذه الصلة بذوي أرحام وذوي ودِّ الوالدين بعد مماتهما فيه ترسيخ للعلاقة الحميمة أن يتوارثها الأبناء ولعلاقة أخوة الإسلام أن تتوسع بين المسلمين وتزداد قوة بموت أحد طرفيها وانتقال مسؤوليتها إلى الأبناء. فالتواصل والتآخي والتحابب والتعاضد هو علة هذا الثواب بدون حساب وهو غاية الحديث الشريف وما ورد فيه من الحثِّ علـى بر الوالدين ميتين. وإذا كان الثواب هذا أعلـى مراتب الجزاء والثواب علـى مندوب في الإسلام يوم الحساب ندرك أن هدف الشرع من هذا العمل الذي يحضُّ المؤمنين عليه ويعدهم عليه بإرضائهم يوم الحساب من أكبر أهداف الإسلام. لأن بر الوالدين ميتين حق للمجتمع، وفائدته للمجتمع، وخيره لأبناء المجتمع الأحياء، ولا يصيب منه الآباء شيئاً ولكن بسببهما أي بسبب برِّهما ميتين يعمل الولد البار فعل البر الذي يعم خيره بقية الأحياء. ولهذا بر الوالدين ميتين فيه خير للمجتمع أولاً لما فيه من تعاون وتواصل وتحاب وتواد، وفيه خير للبار لما فيه من ثواب لا يُعطى إلا لقلة نادرة جداً يوم القيامة، وفيه خير للوالدين لأنهما سبب وجود هذا الابن البار في المجتمع، فيثاب الوالدين عن المجتمع، بأجر كل حسنة أو فعل طيب أُشيع في المجتمع بفعل برِّ ابنهما.
كل هذا من أجل غاية واحدة: جعل العائلة المسلمة تسير في خط متشعب تخترق المجتمع بكل اتجاه وتتواصل مع كل مستوياته حتى يكون المجتمع وحدةً متراصة في الترابط العاطفي والاجتماعي، بعد أن أرسى الله أركانه بالترابط العقائدي والفكري لتثبيت أركان إقامة أحكام الله في المجتمع وتعميم خير التزام الناس إقامة أحكام الله بينهم.
معنى البر هو الخير، وهذا يعني أن جنسه وواقعه ومعدنه هو جنس وواقع ومعدن الخير وليس كما يُتصوَّر أن الخير يكون نتيجة له، لأن الخير كنتيجة له أمرٌ لا بد أن يكون، فهو كرائحة العطر نتيجة لوجود العطر بمادته. وقد سبق وبيَّنا في بداية هذا العنوان معنى البر أنه جماع الخير، وأنه الخير، وأن كل نتائجه خير لأنه يؤدي إلى الثواب المحقق في الآخرة وبكمال شروطه يؤدي إلى الثواب المعجَّل في الدنيا فتتحول حياة المؤمن الابن البار إلى مثل حياة المؤمن في الجنة بما يُنزِّله الله علـى قلبه من السكينة والقناعة والحبور، وتطهيره من الحقد والغضب والحسد الذي يؤدي إلى الشقاء والجشع والغرور فالتجبّر والتكبَّر والدجَل، وهو ليس في خاصيات أهل الجنة التي تستلزمها الحياة الأبدية المنزَّهة عن الأمراض والخبائث والعوارض من الحوادث. في معنى البر أنه الخير الذي يتعاطى المؤمنون معه للحصول عليه في الحياة الدنيا والآخرة، عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحةَ رضي الله عنه أكثرَ الأنصارَ بالمدينةِ مالاً من نخلٍ، وكانَ أحبُّ أموالِهِ إليهِ بَيْرَحاءُ وكانتْ مُستقبلَةَ المسجدِ، وكانَ رسولُ الله  يَدخُلُها ويَشْرَبُ من ماءٍ فيها طيِّب، قال أنس فلما نزلَتْ هذه الآية: { لن تنالُوا البرَّ حتى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ }. جاءَ أبو طلحةَ إلى رسولِ الله  فقال: يا رسولَ الله إن الله تعالى أنزلَ عليكَ { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وإنَّ أحبَّ مالي إليَّ بَيْرَحاءُ، وإنها صَدَقَةٌ لِلَّهِ تعالى، أرجو بِرَّها، وذُخْرَها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيثُ أراكَ الله، فقال رسول الله : «بخ ذلكَ مالٌ رابحٌ ذلكَ مالٌ رابحٌ، وقد سمعتُ ما قُلْتَ وإني أرى أن تجعلَها في الأقربينَ». فقال أبو طَلْحَة: أفعل يا رسول الله. فقسمها في أقاربه وبني عمه. متفقٌ عليه.
بارك الله بكاتب الموضوع





رد مع اقتباس
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 83 )
أم أسيد
رقم العضوية : 7550
تاريخ التسجيل : Nov 2010
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : القدس
عدد المشاركات : 10,805 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 1409
قوة الترشيح : أم أسيد has much to be proud ofأم أسيد has much to be proud ofأم أسيد has much to be proud ofأم أسيد has much to be proud ofأم أسيد has much to be proud ofأم أسيد has much to be proud ofأم أسيد has much to be proud ofأم أسيد has much to be proud of
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي رد: حملة قبل أن تغلق الأبواب

كُتب : [ 23 - 11 - 10 - 02:10 PM ]






رد مع اقتباس
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 84 )
ام اسامة
رقم العضوية : 5058
تاريخ التسجيل : Jun 2009
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 3,809 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 1575
قوة الترشيح : ام اسامة has a brilliant futureام اسامة has a brilliant futureام اسامة has a brilliant futureام اسامة has a brilliant futureام اسامة has a brilliant futureام اسامة has a brilliant futureام اسامة has a brilliant futureام اسامة has a brilliant futureام اسامة has a brilliant future
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي رد: حملة قبل أن تغلق الأبواب

كُتب : [ 23 - 11 - 10 - 04:52 PM ]

بــآركـ الله فيــكـ

جــزآكـ الله خيــراً بما نقلتِ

وأثقل به ميزآن حسنــاتكـ

وجعل الجنّة مثوآنــآ و مثوآكـ





رد مع اقتباس
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 85 )
باحثة عن الحق
رقم العضوية : 7507
تاريخ التسجيل : Oct 2010
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : اسأل الله الفردوس الاعلى في الجنة
عدد المشاركات : 12,772 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 2516
قوة الترشيح : باحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond reputeباحثة عن الحق has a reputation beyond repute
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي رد: حملة قبل أن تغلق الأبواب

كُتب : [ 23 - 11 - 10 - 10:52 PM ]

امين يا رب العالمين

اللهم اجمعنا في جنات الفردوس الاعلى

يسلمو عالمرور







رد مع اقتباس
إضافة رد
  

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الأبواب, تغلق, جملة

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيعى إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيعى الرد على المواضيع
لا تستطيعى إرفاق ملفات
لا تستطيعى تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتبة الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أختي الحبيبة إذا ضاقت بك الدنيا فاطرقي هذه الأبواب جومانة2009 على طريق الدعوه 11 06 - 10 - 11 01:32 PM
يا كاتب التاريخ مهلا لا تغلق الصفحات....رااااائعة اسلامنا هوالنور الأناشيد الإسلامية 7 08 - 09 - 11 04:39 PM
كيف تواجه الام تعلق ابنها الشدييييد بها طرح الجنة أنتِ و طفلك 3 04 - 05 - 11 03:42 PM
تعلق الاطفال بالتلفاز!!!!!!!!!! بنت الازور أنتِ و طفلك 1 22 - 02 - 11 07:14 PM
ظاهرة تعلق النساء بالمنشدين ، بصورهم ، وأصواتهم ، ا اسلامنا هوالنور الفتاوى الشرعية 18 27 - 01 - 11 12:41 PM


RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 01:55 PM.


   الدرر السنية

بحث عن:



 
Powered by vBulletin
.Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd