الاستخارة غيرت حياتى باسورد أنا وطفلى أنت فى مرأة الأخرين تمنيت تعلم العمرة بالصور حملة التضامن مع غزة





إضافة رد
 
أدوات الموضوع
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 1 )
روقيه
قلب طموح
رقم العضوية : 8250
تاريخ التسجيل : Jan 2012
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : ق من أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم
عدد المشاركات : 2,455 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 39
قوة الترشيح : روقيه is on a distinguished road
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي القرآن نور الأنوار

كُتب : [ 04 - 04 - 12 - 10:11 PM ]








حديثنا عن منبع الهداية ومعلم النور، الذي به حياة القلوب، وسكينة النفوس، ورشد العقول، واستقامة الجوارح، وطيب الحياة الدنيا، ونجاة الحياة الآخرة.
كتاب الله -سبحانه وتعالى- كلامه العظيم، حكمته البالغة، شريعته النافعة، ذلكم في سياق حديثنا عن المبادئ التي هي أعظم أسباب القوة، وأول أسباب النهوض، وعندنا مبادئنا وعقائدنا وشرائعنا مصدرها الأول ومنبعها الأعذب، كتاب الله سبحانه وتعالى.
وقفنا لننظر ما السر في نكوصنا وهزائمنا وضعفنا، رغم ثبات مبادئنا ورسوخ عقائدنا، وحفظ كتابنا، ذلكم أن الصلة بيننا وبينه، وأن الأمر المطلوب منا له، ومعه، وبه، وفيه، يشهد نقصًا عظيمًا، وخللاً كبيرًا.
إن المهم الذي ينبغي أن نحرص عليه، والواجب الذي نركز فيه، هو الفهم لكتاب الله واليقين بما جاء فيه.
ونحن لا نزال في حاجة ماسة إلى قضية الفهم والتدبر، حتى نأخذ منها حظًا وافرًا، يقودنا إلى قوة اليقين، وعظمة الاعتقاد بكل ما جاء في كتاب الله -سبحانه وتعالى- من غير شك ولا اضطراب، ومن غير حيرة ولا تردد، الفهم والتدبر، والخشوع والتأثر، والخضوع والتمثل، هذه الثلاثة مدخلها الفهم والإقبال على القرآن إقبالاً صحيحًا، فهمًا يقود إلى تدبر، وخشوعًا يقع به التأثر، وخضوعًا واستسلامًا يقع به الاستجابة والتمثل لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، أما الفهم والتدبر فآياته وأحوال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته فيه عظيمة.
(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [ص:29].
والتفكر في آياته المسموعة وآياته المشهودة، ولهذا أنزل الله القرآن ليُتدبر ويتفقه فيه، ويُعمل به، لا لمجرد التلاوة مع الإعراض عنه، كما ذكر ذلك ابن القيم -رحمه الله-.
وأما مسألة الخشوع والتأثر، فنستمع إلى آية من كتاب الله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر:23].
ووصف الله -عز وجل- للمتأثرين الخاشعين بقوله: (وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) [الإسراء:109].
قال ابن تيمية -رحمه الله-: "إن خشوع القلب للقرآن واجب، ولابد أن نستحضر ذلك الوصف الذي وصفته أسماء في المتفق عليه، عندما قالت -رضي الله عنها-: "كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا تليت عليهم الآيات، كان وصفهم كما جاء في كتاب الله، تدمع أعينهم، وتخشع قلوبهم، تصديقًا لما جاء في هذه الآيات العظيمة".
وأما الخضوع والتمثل، فهو الغاية النهائية، الاستجابة الحقيقية، الامتثال الصادق، يقول فيه -جل وعلا-: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأنعام:155].
الخشوع الحقيقي هو الانقياد للحق، ومن موجبات الخشوع الاستجابة والعمل، وفي حديث النواس بن سمعان -رضي الله عنه-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يؤتى بالقرآن يوم القيامة، وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه البقرة وآل عمران". ثم وصفهما النبي -عليه الصلاة والسلام- وقال: "تحاجان عن صاحبهما".
الراوي: النواس بن سمعان الكلابي المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 805
خلاصة حكم المحدث: صحيح

وشاهدنا قوله: "أهل القرآن الذين يعملون به"، أولئك هم المنتفعون، أولئك هم المستحقون لشفاعة القرآن، أولئك الذين حييت به قلوبهم، وقويت به عزائمهم، ورشدت به عقولهم، واستقامت به أحوالهم، وكان حكمًا فيما بينهم، وفصلاً فيما يقع منهم من خلاف، تصديقًا لكتاب الله -سبحانه وتعالى-.
قال القرطبي -رحمه الله-: "فما أحق من علم كتاب الله أن يزدجر بنواهيه، ويتذكر ما شرح له فيه، ويخشى الله ويتقيه، ويراقبه ويستحييه، فإنه قد حمل أعباء الرسل، وصار شهيدًا في يوم القيامة على أهل الملل".
ليس أمرًا هينًا كلام الله -عز وجل-، كتابه وهدايته الأخيرة للناس، الذي تكفل بحفظه، فلذلك ينبغي أن يكون هذا هو الأصل الذي نتعامل به مع القرآن، حتى يحدث في نفوسنا أولاً التأثير المنشود، ثم يفيض على قلوبنا ومن قلوبنا ونفوسنا إلى واقع حياتنا، لنتحرك به ولنحرك به واقعنا، ونقوِّم به اعوجاجنا، ونستدرك به نقصنا، ونكمل به ما وقع من خلل في حياتنا، وذلك هو التأثير المنشود، الذي عندما فقدنا كثيرًا منه، ظل القرآن في حياتنا كأنما هو غائب شاهد، وكأنما هو قد عطل في واقع نفوسنا وقلوبنا، فتعطل في واقع حياتنا وأحوالنا.
وذلك ما كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يحذرون منه، ويستحضرونه دائمًا، روى الإمام أحمد في كتاب الزهد، عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-، وهو من أرق الصحابة وأكثرهم مواعظ، كانت مواعظ قلبه تفيض على لسانه، فإذا بها تلج إلى القلوب وتؤثر في النفوس، يقول في معاني الصلة بالقرآن الكريم -رضي الله عنه وأرضاه-: "أخوف ما أخاف أن يقال لي يوم القيامة: يا عويمر: أعلمت أم جهلت؟! قال: فإن قلت: علمت، لا تبقى آية آمرة أو زاجرة إلا أخذت بفريضتها، الأمر هل ائتمرت؟! والزجر هل ازدجرت؟! وأعوذ بالله من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع".
هكذا كانت قلوبهم ونفوسهم، هكذا أدركوا أنه لابد من فهم وتدبر، يحصل به خشوع وتأثر، ينطبق ويليه استجابة وتمثل، وذلك الذي نحتاج إليه، ولعلنا هنا ونحن نريد أن نيسر الأمر على أنفسنا، وأن نعين أنفسنا على أن نبلغ مثل هذه الغايات، سيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه الملهيات، وعظمت فيه المشغلات، وكثرت فيه الفتن، وتعاظمت فيه المحن، وصرفت القلوب بالشهوات، وضلت العقول بالشبهات إلا من رحم الله، أفلسنا في حاجة إلى عصمة نعتصم بها، وإلى ملجأ نلجأ إليه، فأي ملجأ أعظم من الله؟! وأي عصمة أعظم من عصمة كتاب الله؟! وأي نور يبدد الظلمات أعظم وأقوى وأبلج من نور الله -عز وجل-، ونور كلامه سبحانه وتعالى؟! كم نحن في حاجة ماسة إلى أن نعيد القول، ونردده ونكرره ونزيده في مثل هذه المعاني، ومهما زاد فإنه قليل؛ لأن البون شاسع، والهوة سحيقة، والفرق عظيم وهائل بين ما تنزلت به الآيات، وما دعت إليه الشريعة، وما هو واقع في الحياة، بل ما هو مستقر في القلوب والنفوس.
ولعلنا هنا نذكر بعضًا بما يعيننا على ذلك، ويؤدي بنا إليه في خطوات ميسورة بإذن الله -عز وجل-؛ لأننا لا نريد أن نلقي القول على عواهنه، ولا نريد أن يكون حديثنا مجرد كلمات عظيمة أو ضخمة أو بليغة، أو ربما يكون فيها شيء من التعظيم والتأثير المؤقت، الذي لا ينبني عليه عمل، ولا نخرج به إلى تغيير واقع، ولا نبدأ فيه في تغيير أحوالنا، علّ الله -عز وجل- أن يتداركنا برحمته، ويغير إذا غيرنا ما في نفوسنا وما في واقعنا، كما وعدنا الحق -جل جلاله-.
خطوات: أولها: حسن الاستماع والإصغاء لكتاب الله -عز وجل-، كم نسمع من نشرات الأخبار؟! كم يسمع كثيرون من الأغنيات؟! وكم نسمع من الأخبار والأحوال والأقوال، وكل ذلك يصب في قلوبنا كدرًا يخلط صفاء الإيمان، وظلمة تطفئ نور اليقين، وأحوالاً تقسو بها القلوب؟! كم نسمع من غيبة ونميمة؟! كم نسمع من لعن وشتيمة؟! أليس لنا حظ نطهر به القلوب، من إصغاء يفيض على قلوبنا الخير والنور والهدى والتقى؟! كم نستمع قبل أن نتلو؟! كم نستمع من الآيات والقرآن قد سُجِّل في أشرطة ويبث عبر موجات الأثير، ويتلى حتى على الشاشات، ونستطيع أن نسمعه إذا واظبنا على الصلوات في الجماعات، وهو يتردد في المحاريب آناء الليل وأطراف النهار.
ما حظ آذاننا من هذا الإصغاء، وما حظ قلوبنا من هذا الإصغاء، حسن الاستماع هو الأول والمبدأ والفاتحة والبداية، (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [الزمر:18]، وتأمل بلاغة القرآن المعجزة: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ) وليس يسمعون، فالاستماع أعظم من السماع، السماع كلام عابر يمر على أذنك، تكون سائرًا في طريقك، فهذا يتكلم لقد سمعته، لكنك لم تستمع له، لم تلقِ له بالاً، لم تعطِه أذنًا واعية، لم تعطِه قلبًا حاضرًا، فذلك أمر آخر، إنما المقصود الاستماع الذي تتوجه له بكليتك، وتقصده بعنايتك، وتفرغ له من وقتك، وتهيئ له نفسك، وتستحضر له كل الأسباب التي يقع بها أثره.
(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)، والفاء للتعقيب السريع، إن كان استماعًا حقيقيًا فثمة بإذن الله -عز وجل- استجابة صادقة، (فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)، والله -سبحانه وتعالى- أمرنا بذلك، وبين أنه سمة هدايته: (فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ) [الزمر:18].
والحق -جل وعلا- يقول: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف:204].
وكذلك تأمل: (فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا)، ثم حينئذٍ تتنزل الرحمة، وتغشى النفوس والقلوب، ونرى حينئذ آثار الخشوع والسكينة، والتدبر والتأمل، عندما نحسن هذا السماع والإصغاء.
ومن كلام وهب بن منبه -رحمه الله- قال: "من أدب الاستماع سكون الجوارح، وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور القلب، والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى".
ومن كلام سفيان الثوري -رحمه الله-: "أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر"، فما أحرانا أن نبدأ بهذا، وهذا ليس لأحد فيه عذر، حتى الأمي الذي لا يقرأ، عنده فرصة سانحة لينهل من هذا الكتاب العظيم، المشغول الذي لا يفرغ، ليست له حجة، عنده وقت في سيارته، عنده وقت وهو مستلقٍ على فراشه، أن يستمع هذه الآيات، عنده وقت لأن هذه الأسباب قد توفرت وتيسرت، لكنها الصوارف المشغلة، لكنها الاهتمامات المنافسة، لكنها الدنيا التي استولت على قلوب الناس إلا من رحم الله.
الثاني: حسن النية: وقد أخرتها وحقها التقديم، لننظر أنها فاعلة فيما قبلها وبعدها، ونعني بذلك أن نُقبل بصدق، وأن نستمع، وأن نتلو، وأن نتعلق بالقرآن في كل أحواله وأحوالنا معه، بنية خالصة، بنية نبتغي بها وجه الله تعالى، بنية نتلمس بها علاج أدواء قلوبنا، وبرء علل نفوسنا، وذلك ما نحتاج إليه، نحتاج إلى هذه النية الخالصة حتى تتحقق لنا النتائج المثمرة، فإننا نعلم أن كل أمر وعمل بلا إخلاص لا ثمرة له.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "العمل بلا إخلاص كالمسافر يملأ جرابه رملاً، يُثقله ولا ينفعه، يحمل حملاً كثيرًا لكنه تراب، ليس له منه إلا ثقل الوزن دون النفع والفائدة، ومن هنا قال القرطبي: "إذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى، وسنة نبيه بنية صادقة، ما الذي يحصل له؟! عامله الله -سبحانه وتعالى- بما يحب الله له، أفهمه كما يجب، وجعل له في قلبه نورًا".
ومن كلام ابن تيمية: "من تدبّر القرآن طالبًا الهدى منه، تبيّن له طريق الحق، والله -عز وجل- قد وعد من أقبل، أقبل الله عليه، ومن صدق وأخلص، أثاب الله عليه، ومن تجرد لله -سبحانه وتعالى- أعطاه الله -عز وجل- بقدر إخلاصه". (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69].
وذلك أمر نحتاج فيه إلى مجاهدة نفوسنا.
والثالث: حسن التلاوة: (وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) [المزمل:4]؛ "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، كما أخبر المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري. قال النووي -رحمه الله-: "اعلم أن التلاوة أفضل الأذكار، ليس هناك شيء أفضل من ذكر الله -عز وجل-، وأفضل ذكر الله كلامه -سبحانه وتعالى-، وتلاوة كتابه، فما بالنا كذلك منقطعين عن ذلك إلا نزرًا يسيرًا، نقرؤه بلا روية، وبلا حسن ترتيل، وبلا استحضار معانٍ، كما ينبغي أن يكون الأمر".
ولذلك قال العلماء: "المطلوب شرعًا إنما هو تحسين الصوت، الباعث على تدبر القرآن وتفهمه، والخشوع والخضوع، والانقياد والطاعة". كما ذكر ذلك ابن كثير، ومن هنا قال النووي: "الترتيل مستحب للتدبر ولغيره"، فكم حظنا من ذلك؟! وقد أشرنا من قبل إلى أنه ينبغي أن لا ننقطع عن هذا، وأن يكون لنا حظ من تلاوة متأنية، نحيا بها، ونحيا فيها، ونحيا معها، ونستعيذ الله -سبحانه وتعالى- في أولها، لتنصرف عنا شرور الشياطين، ومضلات العقول، وصوارف النفوس الأهواء: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) [النحل:98].
وذلك كله تهيئة للمقصد الأعظم، من بعد في حسن التفكر والتدبر، الذي لا يمكن أن يكون إلا بمثل هذه الأمور السابقة، وهو أمر عظيم وخطواته كثيرة، ونحن نشير إلى قليل، حتى يكون عونًا لنا، ونسأل الله أن لا يكون حجة علينا:
اجعل لنفسك حظًا من تلاوة على الصفة السابقة، في الأوقات التي تستحضر فيها فكرك، وتحيي فيها قلبك، بعيدًا عن الناس، وعن دنيا الناس، وعن شواغل وصوارف الدنيا.
وأفضل ذلك الليل؛ أوله وأوسطه وآخره، في أي وقت منه، عندما تخلد إلى بيتك، وتسكن إلى راحتك، وتنعزل وحدك، اجعل أنيسك كتاب الله، فإن هذه التلاوة أعظم ما يفيض بها على قلبك النور والهدى، وعلى عقلك الفهم والإدراك بإذن الله -سبحانه وتعالى-: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً) [المزمل:6]. قالوا: هي أشد مواطأة بين القلب واللسان، يتفق القلب مع اللسان ويندمج معه، ويكون معه؛ لأنه لا صوارف تصرف، ولا شواغل تشغل، فحينئذ يكون الأثر أعظم، والطريق إلى التفكر والتدبر أيسر بإذنه -سبحانه وتعالى-، ومدارسة جبريل -عليه السلام- لسيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- إنما كانت في الليل، وفي ليالي رمضان العظيمة، لماذا؟! لهذا المعنى الذي تشير إليه هذه الآيات العظيمة، قال ابن حجر -رحمه الله-: "المقصود من التلاوة الحضور والفهم، ومظنته الليل؛ لأن الليل مظنة ذلك، لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية، وكم في هذا من أثر عظيم".
ثم كذلك أمر آخر: الوقوف مع دلالات الآيات، كما روى حذيفة عن سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- عندما قال: "صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران، يقرأ مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوَّذ". رواه مسلم.
الراوي: حذيفة بن اليمان المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 772
خلاصة حكم المحدث: صحيح

أحضر ذلك في نفسك وطبقه عندما تتلو، كلما مر تسبيح سبح، كلما مر وعد اسأل الله -عز وجل-، فإن ذلك يعين على ولوج هذه المعاني، وتعلُّق القلب بها، وحياة النفس معها، وذلك ما كان يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما روى ذلك كثير من أصحابه -رضوان الله عليهم-، ومن المعين على ذلك استحضار أحوال النزول، وذلك عندما نعرف بعض أسباب النزول ونعرف الوقائع.
ألسنا قد مرّ بنا كثيرًا ما جاء من الآيات بشأن غزوة الأحزاب، كيف كان هذا الوصف مؤثرًا، لمن كان عالمًا وعارفًا بهذه الأحداث وما مر فيها؟!
(إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا) [الأحزاب:10، 11].
عندما نتذكر كيف كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يربط على بطنه حجرين من شدة الجوع في ذلك الوقت، عندما نتذكر حادثة حذيفة عندما قال -صلى الله عليه وسلم-: "ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة"، فلم يقم أحد من الصحابة
الراوي: يزيد بن شريك المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 1788
خلاصة حكم المحدث: صحيح

، عندما نعرف تلك الملابسات، نعرف كم كان لهذه الآيات من عظمة، ويكون لها في نفوسنا تأثير؛ (الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) [آل عمران:173].
أصحاب النبي في يوم أحد وبعد أحد: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران:173].
وكثيرة هي الأحوال التي إذا عرفنا شيئًا منها، أصبح للقرآن في قلوبنا أثرًا غير ما نقرأ بلا تمعن ولا فهم ولا معرفة، ولعلنا نستعين على ذلك بأمرين اثنين أختم بهما:
أولاً: استحضار عظمة المتكلم -سبحانه وتعالى-، فهذا كلام رب الأرباب وملك الملوك، جبار السماوات والأرض، خالق الخلق وواهب الرزق، ليس كلامًا له مثيل في الحياة كلها، ليس له نظير فيما تسمعه وتقرؤه من كلام الدنيا وأهلها كلهم، فإذا استحضرت ذلك كان له أثر.
الأمر الآخر وهو: استحضار عظمة الخطاب، إنه خطاب لك، إنه كما قال الحسن: "رأوها رسائل من ربهم، كانوا يتفكرون بها ويتدبرونها بالليل، وينفذونها ويعملون بها في النهار".
نسأل الله -عز وجل- أن يرزقنا حسن الفهم لكتابه، وحسن العمل بأوامره ونواهيه، ونسأله أن يحيي به قلوبنا، ويرشد به عقولنا، ويحسن به أحوالنا. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.








التعديل الأخير تم بواسطة أم أسيد ; 04 - 04 - 12 الساعة 10:44 PM سبب آخر: تخريج الاحاديث والتنسيق
رد مع اقتباس
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 2 )
روقيه
قلب طموح
رقم العضوية : 8250
تاريخ التسجيل : Jan 2012
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : ق من أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم
عدد المشاركات : 2,455 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 39
قوة الترشيح : روقيه is on a distinguished road
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي رد: القرآن نور الأنوار

كُتب : [ 04 - 04 - 12 - 10:21 PM ]

اخواتى المؤمنات: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإن ثمرة مثل هذه الخطوات، نراها في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسيرة أصحابه، أذكر بعضًا منها في هذه الومضات.
أولها: الاستجابة الدائمة ليست المؤقتة ولا العارضة، ولا التي تنشأ عن تأثير محدد، بل دائمًا، يكون حينئذ هذا الإنسان المؤمن قرآنيًا كما كانت عائشة تقول -رضي الله عنها-، ليس في قولها: "كان خلقه القرآن"، فإن هذا معروف، ولكن قالت: "ما صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاة بعد أن نزلت عليه: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) [العصر:1]، إلا يقول فيها: "سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي".
الراوي: عائشة المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 4967
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

لأنه جاءه الأمر فسبح بحمد ربك واستغفره، فجعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاته.
وروت عائشة قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن". يعني: أن يطبقه ويمتثله.
ثانيًا: الاستحضار للاعتبار، إن هذه الخطوات تقودنا إلى هذا الاستحضار، الذي يقع به الاعتبار، ومثل ذلك في قصة أبي بكر وعمر يوم خرج هذا وخرج ذاك فلقيهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟!"، قالا: الجوع يا رسول الله، قال: "وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما".
الراوي: أبو هريرة المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2038
خلاصة حكم المحدث: صحيح

رسول الله يخرج من بيته من شدة الجوع، يلقى صاحبيه جائعين، يمضي إلى رجل من الأنصار فلا يجده في بيته، ثم يأتي الأنصاري فيفرح بهذه الغنيمة، برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه -رضوان الله عليهما-، فيذبح لهم، ويستعذب لهم الماء، فيأكلون وجبة شهية هنية، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم- والقرآن حي في قلبه: "والذي نفسي بيده، لتسألنّ عن هذا النعيم يوم القيامة".
الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 7071
خلاصة حكم المحدث: صحيح

نعيم يوم عابر، مر بعد جوع شديد، ومع ذلك استحضر النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ) [التكاثر:8].
لم تغب عنه الآيات، لم تغب عنه ذكراها، لم تغب عنه موعظتها، وإن كانت الحالة عابرة، فكم نحن في حاجة إلى مثل هذا، إذا أخذنا بذلك والعودة بعد الغفلة.
مثلها قصة أبي بكر، لما أوقف نفقته على مسطح بن أُثاثة عندما تكلم في عائشة مع المتكلمين، وخاض مع الخائضين، فقال أبو بكر: ":والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا"، فتنزلت الآيات: (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور:22].
قال أبو بكر: "بلى والله أحب أن يغفر الله لي"، فأعاد النفقة وقال: "والله لا أنزعها منه أبدًا"، تلك القلوب العائدة، تلك القلوب المتذكرة، تلك الراجعة إلى الحق والآخرة، المرتقية إلى ذرا المعالي، عندما يحيا القرآن في قلوبها، كلنا نعرف قول الحق -جل وعلا-: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران:92].
نقرأ الآية مرارًا وتكرارًا، نرددها في صلواتنا، أي شيء أحدثت في واقعنا؟!
أنس يروي عن أبي طلحة، وكان من أثرياء الصحابة، وكان له بستان قبالة مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اسمه "بيرحاء"، فيه شجر كثير وماء عذب، لما نزلت الآية، تحركت في نفسه معانيها، اشتاقت إلى ثوابها نفسُه، فجاء إلى رسول الله: إن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها -يا رسول الله- حيث أراك الله، فأثنى النبي وقال: "بخ، ذلك مال رابح"، ثم قال: "أرى أن تجعلها في الأقربين".
الراوي: أنس بن مالك المحدث: أبو نعيم - المصدر: حلية الأولياء - الصفحة أو الرقم: 6/370
خلاصة حكم المحدث: صحيح متفق عليه [أي:بين العلماء] من حديث مالك

ورواية ابن عمر قال: لما نزلت هذه الآية، بحثت عن أنفس شيء عندي، فكانت له جارية رومية هي نفيسة ومحبوبة لديه، قال: فأعتقتها لوجه الله، ولو كنت راجعًا في شيء لرجعت فيها، فأنكحتها نافعًا. ذلك الذي كان يحركه إلى المعالي.
نسأل الله -عز وجل- أن يحرك قلوبنا بالقرآن، وأن يقوي به عزائمنا، وأن يرشد به عقولنا، وأن يصلح به أحوالنا، وأن يؤلف به قلوبنا، وأن يجمع به صفوفنا، وأن يقوي به عزائمنا.






التعديل الأخير تم بواسطة أم أسيد ; 04 - 04 - 12 الساعة 10:51 PM سبب آخر: تخريج الاحاديث والتنسيق
رد مع اقتباس
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 3 )
أم أسيد
رقم العضوية : 7550
تاريخ التسجيل : Nov 2010
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : القدس
عدد المشاركات : 10,805 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 1409
قوة الترشيح : أم أسيد has much to be proud ofأم أسيد has much to be proud ofأم أسيد has much to be proud ofأم أسيد has much to be proud ofأم أسيد has much to be proud ofأم أسيد has much to be proud ofأم أسيد has much to be proud ofأم أسيد has much to be proud of
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي رد: القرآن نور الأنوار

كُتب : [ 04 - 04 - 12 - 10:52 PM ]

جزاكِ الله الجنه ياغاليه
موضوع رائع
لي عوده لتكملة القراءه ان شاء الله





رد مع اقتباس
غير متواجدة حالياً
 رقم المشاركة : ( 4 )
نجمة الصبح
فريق العمل
رقم العضوية : 7056
تاريخ التسجيل : Jun 2010
الدولة :
العمر :
مكان الإقامة : في مهبط الوحي
عدد المشاركات : 2,080 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 39
قوة الترشيح : نجمة الصبح is on a distinguished road
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

التوقيت
افتراضي رد: القرآن نور الأنوار

كُتب : [ 29 - 05 - 12 - 12:32 PM ]

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
اللهم نور قلوبنا بنور كتابك واجعلنا نحيا بالقران





رد مع اقتباس
إضافة رد
  

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الأنوار, القرآن

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيعى إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيعى الرد على المواضيع
لا تستطيعى إرفاق ملفات
لا تستطيعى تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 01:23 AM.


   الدرر السنية

بحث عن:



 
Powered by vBulletin
.Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd